أحكام النكاح

أريد أن أُربي أولادي وأخاف إن حملت ألا أستطيع أن أهتم بهم أو بتربيتهم، فهل يجوز أن يعزل زوجي عني أم لا؟

مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف

أريد أن أُربي أولادي وأخاف إن حملت ألا أستطيع أن أهتم بهم أو بتربيتهم، فهل يجوز أن يعزل زوجي عني أم لا؟

ذهب جمهور الفقهاء من السَّادة الحنفيَّة والسَّادة المالكيَّة والسَّادة الشَّافعيَّة في وجهٍ والسَّادة الحنابلة في المذهب إلى جواز العزل بشرط إذن الزَّوجة ورضاها، لا سيَّما إن كانت هناك حاجةٌ أو ضرورةٌ إليه، كالاهتمام بتربية الأولاد وصحَّتهم.

بِاسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدُ...

فإن الأبناء -ذكورًا أو إناثًا- من نعم الله عز وجل على العبد، التي تستوجب دوام الشكر، وشكر النعم كما يكون باللسان يكون بالعمل، قال الله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13].

وذلك من خلال المحافظة عليهم، وحسن تربيتهم وتعليمهم، والإحسان إليهم، وتنشئتهم نشأة صالحة، فعن أم المؤمنين السيدة عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ تَسْأَلُنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: «مَنْ يَلِي مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ شَيْئًا، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ، كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ». [متفق عليه: صحيح البخاري، ح: 5995، ك: الأدب، ب: رحمة الولد وتقبيله ومعانقته (8/ 7)، صحيح مسلم، ح: 2629، ك: البر والصلة والآداب، ب: فضل الإحسان إلى البنات (4/ 2027)]

وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ». [سنن أبي داود ح: 495، ك: الصلاة، ب: متى يؤمر الغلام بالصلاة (1/ 133)].

فالأبوان مسئولان مسئولية كاملة عن أولادهم، فعَنْ سيدنا عَبْدِ اللهِ -يعني ابن عمر- رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلاَ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». [متفق عليه: صحيح البخاري، ح: 2554، ك: العتق، ب: كراهية التطاول على الرقيق، وقوله: عبدي أو أمتي (3/ 150)، وصحيح مسلم، ح: 1829، ك: الإمارة، ب: فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، والحث على الرفق بالرعية، والنهي عن إدخال المشقة عليهم (3/ 1459)].

فمن خلال هذه النصوص السابقة نرى أن مقصد الشرع ليس كثرة النسل مع إهماله وتضييعه، وإنما العبرة بتنشئة نشءٍ قويٍّ، وتربيتهم تربية سويّة تُرضي الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وقد عقد الإمام أبو بكر ابن أبي الدنيا رحمه الله في كتابِهِ "النفقة على العيال" بابًا بعنوان: (الِاغْتِبَاط بِقِلَّةِ الْعِيَالِ) أورد فيه أقوالًا للسلف وأهل العلم في ذم كثرة العيال التي تكون سببًا في ضياعهم، والإثقال على كاهل أبوَيْهم والمشقة عليهم.

ومن هذه الأقوال: ما أورده عن عِيسَى بْنِ يُونُسَ، قَالَ: كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يُعْجَبُ بِالرَّجُلِ فَإِذَا بَلَغَهُ أَنَّهَ مَعِيلٌ سَقَطَ مِنْ عَيْنِهِ، فَقُلْتُ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ مَعِيلًا إِلَّا وَجَدْتُهُ مُخَلَّطًا. [يُنظر: النفقة على العيال لابن أبي الدنيا (2/ 619- 628)، دار ابن القيم - السعودية، ط: الأولى].

وللمزيد من التفصيل حول هذا الأمر يُنظر فتوى رقم 7440

أما عن حكم العزل فقد أشبعنا القول فيه وفي أحكامه في الفتوى رقم 205

وذكرنا أن مذهب جمهور الفقهاء من السَّادة الحنفيَّة والسَّادة المالكيَّة والسَّادة الشَّافعيَّة في وجهٍ والسَّادة الحنابلة في المذهب: جواز العزل بشرط إذن الزَّوجة ورضاها.

بل قد أباحه السَّادة الحنفيَّة ولو بغير إذن الزَّوجة عند تحقق الأعذار، وقد نصُّوا على بعضها، والَّتي منها:

  1. إن خاف من الولد السُّوء ... يسعه العزل بغير رضاها؛ لفساد الزَّمان.
  2. أن يكون في سفرٍ بعيدٍ، وخاف على الولد.
  3. إن كانت الزَّوجة سيئة الخلق ويريد فراقها فخاف أن تحبل. [يُنظر: حاشية ابن عابدين، (3/ 176)، دار الفكر-بيروت، ط: الثَّانية].

وقد نصَّ حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله على أنّ الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد غير منهيٍّ عنه، وهو سببٌ من أسباب العزل، فقال رحمه الله: "النيات الباعثة على العزل خمس:... الثالثة: الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد، والاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب، ودخول مداخل السوء، وهذا أيضًا غير منهي عنه؛ فإن قلة الحرج معينٌ على الدين، نَعَم، الكمال والفضل في التوكّل والثقة بضمان الله حيث قال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا } [هود: 6]، ولا جرم فيه سقوط عن ذروة الكمال، وترك الأفضل، ولكن النظر إلى العواقب، وحفظ المال، وادخاره، مع كونه مناقضًا للتوكل، لا نقول: إنه منهي عنه..." [إحياء علوم الدين (2/ 52)، دار المعرفة – بيروت].

ومما ذُكر يُعلم الجواب

وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.

هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.