أريد أن أحافظ على جمالي كامرأة، فهل ينفع إن زوجي يعزل عني؟ وهل هذا حلال أم حرام؟
بِاسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدُ...
فإن الدين الإسلامي قد جاء بالحق والخير والجمال، وقد قال سيدُنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ... ». [صحيح مسلم، ح: 91، ك: الإيمان، ب: تحريم الكبر وبيانه (1/ 93)].
لكنه في الوقت ذاته قد حثَّ على النسل ودعا إليه وجعله أمرًا ضروريًّا ومقصدًا كلِّيًّا من مقاصد الشَّريعة الضَّروريَّة الَّتي يحثُّ الإسلام على المحافظة عليها وتحقيقها، فإذا استُعْمِل العزل لمنع النَّسل بالكليَّة فيأخذ حكم الكراهة.
يقول الإمام ابن قدامه رَحِمَهُ اللهُ: "والعزل مكروهٌ، ... رُويت كراهته عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ عمر، وابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنهم، ورُوِيَ ذلك عن أبي بكر الصِّديق رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أيضًا؛ لأنَّ فيه تقليل النَّسل، وقطع اللَّذة عن الموطوءة، وقد حثَّ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على تعاطي أسباب الولد، فقال: «تناكحوا، تناسلوا، تكثروا»، وقال: « سَوْدَاءُ وَلُودٌ، خيرٌ من حَسْنَاءَ عَقِيمٍ»، إلَّا أن يكون لحاجةٍ ... فإن عزل من غير حاجةٍ، كره، ولم يحرم" [المغني، (7/ 298)، مكتبة القاهرة].
وقد اختلف الفقهاء في حكم العزل على ثلاثة أقوالٍ:
القول الأوَّل: يحرم العزل مطلقًا، وهو مذهب السَّادة الظَّاهريَّة، ووجهٌ مرجوحٌ عند السَّادة الشَّافعيَّة. [ينظر: المحلَّى بالآثار، (9/ 222)- وروضة الطَّالبين وعمدة المفتين، (7/ 205)].
القول الثَّاني: يجوز العزل بشرط إذن الزَّوجة ورضاها، وهذا مذهب جمهور الفقهاء من السَّادة الحنفيَّة والسَّادة المالكيَّة والسَّادة الشَّافعيَّة في وجهٍ والسَّادة الحنابلة في المذهب.
يقول الإمام المرغينانيُّ الحنفيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "ولا يعزل عن زوجته إلَّا بإذنها؛ لأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام نهَى عن العزل عن الزَّوجة إلَّا بإذنها... " [الهداية في شرح بداية المبتدي ، (4/ 372)، دار إحياء التُّراث العربيِّ- وينظر: مختصر خليل، صـ 101، دار الحديث-القاهرة، ط: الأولَى- والمهذَّب في فقه الإمام الشَّافعيِّ، (2/ 482)، دار الكتب العلميَّة- ومطالب أولي النهَى في شرح غاية المنتهَى، (5/ 261)، ط: الثَّانية، المكتب الإسلاميّ].
القول الثَّالث: يُكره العزل كراهة تنزيهٍ مطلقًا، وهو الرَّاجح عند السَّادة الشَّافعيَّة. [ينظر: المهذَّب في فقه الإمام الشَّافعيِّ، (2/ 482)-وروضة الطَّالبين وعمدة المفتين، (7/ 205)].
وإذا أرادت المرأة أن يعزل زوجُها عنها؛ حفاظًا على جمالها وصحتها: فلا حرج في ذلك عند جمهور الفقهاء.
وقد نصَّ حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله على أنّ ذلك غير منهيٍّ عنه، فقال: "النيات الباعثة على العزل خمس:... الثانية: استبقاء جمال المرأة، وسمنها؛ لدوام التمتع، واستبقاء حياتها؛ خوفًا من خطر الطلْق، وهذا أيضًا ليس منهيًّا عنه، الثالثة: الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد، والاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب، ودخول مداخل السوء، وهذا أيضًا غير منهي عنه؛ فإن قلة الحرج معينٌ على الدين، نَعَم، الكمال والفضل في التوكّل والثقة بضمان الله حيث قال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا } [هود: 6]، ولا جرم فيه سقوط عن ذروة الكمال، وترك الأفضل، ولكن النظر إلى العواقب، وحفظ المال، وادخاره، مع كونه مناقضًا للتوكل، لا نقول: إنه منهي عنه..." [إحياء علوم الدين (2/ 52)، دار المعرفة – بيروت].
وبناءً على ما سبق: فيجوز للزوج العزل عن زوجته إذا كان بإذنها ورضاها؛ وللحفاظ على جمالها وصحتها، وذلك على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، لكن ينبغي ألا يكون ذلك سببًا في قطع النسل كليّةً.
ولمزيد من التفصيل حول حكم العزل يمكنكم الاطلاع على فتوى رقم: (205).
وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.
هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.