عندي ثلاثة من الأولاد وأريد أن أكتفي بهم، فهل يجوز لي شرعًا أن أعزل عن زوجتي؟
بِاسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدُ...
فالنسل هو إحدى الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة الإسلامية بالحفاظ عليها: وهذه الضروريات هي: (الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسل).
وقد فطر الله سبحانه النفس البشرية على حُبّ الأولاد، ونصَّ على أن البنين زينةٌ من زينة الحياة الدنيا، فقال جلّ شأنه: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 46]
ولضرورة الحفاظ على النسل حثَّ الشرع الحنيف الله على اتخاذ الأسباب في تربية الأولاد وتعليمهم وجعلهم ذرية صالحةً مُصلحةً تنفع الدين والدولة، فليست العبرة بكثرة النسل، وإنما بمدى صلاحهم وإصلاحهم، وقد أشار نبينا صلى الله عليه وسلم إلى أن الكثرة التي لا منفعة فيه إنما هي كغثاء السيل، الذي لا فائدة فيه، والغُثَاء بِالضَّمِّ وَالْمَدِّ: هو مَا يَجِيءُ فَوْقَ السَّيْل مِمَّا يَحْمِله مِنَ الزَّبَد والوَسَخ وَغَيْرِهِ. [النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 343)، المكتبة العلمية - بيروت].
فعَنْ سيدنا ثَوْبَانَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ»، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنْيَا، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ». [سنن أبي داود، ح: 4297، ك: الملاحم، بابٌ في تداعي الأمم على الإسلام (4/ 111)].
وقد استعاذ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهد البلاء، كما رواه الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله في صحيحَيْهما بسندهما عَنْ سيدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ مِنْ جَهْدِ البَلاَءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ» قَالَ سُفْيَانُ: «الحَدِيثُ ثَلاَثٌ، زِدْتُ أَنَا وَاحِدَةً، لاَ أَدْرِي أَيَّتُهُنَّ هِيَ» [متفقٌ عليه: صحيح البخاري، ح: 6347، ك: الدعوات، ب: التعوذ من جهد البلاء (8/ 75)، وصحيح مسلم، ح: 2707، ك: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، بابٌ في التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره (4/ 2080)]
وقد رُوى عن سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما أنه فسر «جَهْدِ الْبَلَاءِ» بقلة المال وكثرة العيال، وقال غيره: هي الحال الشاقة. [يُنظر: شرح صحيح البخارى لابن بطال (10/ 110) مكتبة الرشد - السعودية، الرياض، ط: الثانية، ويُنظر: النفقة على العيال لابن أبي الدنيا (2/ 443)، دار ابن القيم - السعودية، ط: الأولى].
كما كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى سَفَرٍ قَالَ: "اللهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ، وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الضُّبْنَةِ فِي السَّفَرِ، وَالْكَآبَةِ فِي الْمُنْقَلَبِ، اللهُمَّ اطْوِ لَنَا الْأَرْضَ، وَهَوِّنْ عَلَيْنَا السَّفَرَ" وَإِذَا أَرَادَ الرُّجُوعَ قَالَ: "آيِبُونَ، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ" وَإِذَا دَخَلَ أَهْلَهُ قَالَ: " تَوْبًا تَوْبًا، لِرَبِّنَا أَوْبًا، لَا يُغَادِرُ عَلَيْنَا حَوْبًا " [مسند أحمد ح: 2311، (4/ 156)].
قال الإمام ابن الأثير رحمه الله: الضُّبْنَة والضِّبْنَة: مَا تَحْتَ يَدِكَ مِنْ مالٍ وعيالٍ وَمَنْ تلزمُك نفقتُه. سُمُّوا ضُبْنَةً ضِبْنَةً؛ لأنَّهم فِي ضِبْنِ مَن يَعُولُهم. والضِّبْن: مَا بَيْنَ الكَشْح والإبْطِ. تَعوَّذَ باللهِ مِنْ كَثْرةِ العِيال فِي مَظِنَّة الحاجةِ وَهُوَ السَّفر. وَقِيلَ: تَعَوَّذَ مِنْ صُحْبَةِ مَنْ لَا غَنَاءَ فِيهِ وَلَا كِفَاية مِنَ الرِّفاق، إِنَّمَا هُوَ كُلٌّ وعِيالٌ عَلَى مَنْ يُرَافِقه". [النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 73)].
ولهذا ذمّ بعض الأئمة من السلف الصالح هذه الكثرة التي تضر ولا تنفع، لاسيما مع قلة الحال والمال.
ففي قول الله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } [النساء: 3].
قال الإمام الماوردي رحمه الله: "قال الشافعي: معناه ألا يكثر من تعولون، فلولا وجوب النفقة عليه لما كان لخشية العيال تأثير... -إلى أن قال الماوردي-: وحمله على كثرة العيال مستفادًا بمجاز قوله تعالى: { ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } [النساء: 3]. ليكون حمل الآية على معنيين أولى من حملها على أحدهما، والثاني: أن كثرة العيال يؤول إلى الجور فعبَّر عنه بالجور؛ لأنه يؤول إليه، كما قال تعالى: { إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا } [يوسف: 36]، ولم يعصر إلا عنبًا، فسماه خمرًا؛ لأنه يؤول إلى أن يصير خمرًا، وهذا مشهور في كلام العرب وأشعارهم". [الحاوي الكبير (11/ 415)، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط: الأولى].
وقال سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه في خطبة له: "يا معشر الناس، إياي وخِلالًا أربعا، فإنها تدعو إلى النصب بعد الراحة، وإلى الضيق بعد السعة، وإلى المذلة بعد العز: إياي وكثرة العيال، وإخفاض الجلال، والتضييع للمال، والقيل والقال في غير درك ولا نوال". [التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (21/ 293)، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب].
وقال الإمام ابن رسلان رحمه الله: "وقلة المال مع كثرة العيال محنةٌ عظيمة، فإن الطبع إلى التوسّع في الدنيا مُحَبّ، والولدُ يَطلب ما يشتهي، والزوجةُ تطلب سَعةَ النفقة، والورع يمنع من التوسّع {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 11]، وكان الإمام أحمد قد امتنع أن يأخذ من بيت المال شيئًا وقَنَع بِكِراء حوانيت له كانت تغل في الشهر عشرين درهمًا أو أقل، وأخذ أولاده من الخليفة من بيت المال فهَجَرَهم لذلك... إلى أن قال الإمام ابن رسلان رحمه الله: وأعلى الأحوال الرزقُ الكفاف". [شرح سنن أبي داود لابن رسلان (7/ 390، 391)، دار الفلاح للبحث العلمي، جمهورية مصر العربية، ط: الأولى].
وبناء على ما سبق: فعلى الكيِّس الفطِن أن ينظر في عواقب الأمور، ويحرص على أن يُنشئ ذريّة صالحة نافعة، ولا يغترّ بكثرة العيال مع ضيق الحال أو عدم القدرة على تربيتهم وتعليمهم.
أما بالنسبة لحكم العزل،ومعناه أن يجامع الزَّوجُ، فإذا قارب الإنزال، نزع فأنزل خارج الفرج: فيجوز للزوج أن يعزل عن زوجته بإذنها ورضاها، لا سيَّما إن كانت هناك حاجةٌ أو ضرورةٌ إليه، كتنظيم النَّسل، أو الحفاظ على صحَّة الأمِّ، أو الاهتمام بتربية الأولاد وصحَّتهم، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، من السَّادة الحنفيَّة والسَّادة المالكيَّة والسَّادة الشَّافعيَّة في وجهٍ والسَّادة الحنابلة في المذهب. وقد تناولنا أقوال الفقهاء واختلافهم في حكم العزل وأدلتهم تفصيلًا في الفتوى رقم: (205).
وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.
هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.