ما حكم سجود السهو؟
الحمد لله، والصّلاة والسّلام على سيّدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فمعلومٌ أنَّ الشَّريعة الإسلاميَّة قد أمرت المسلم بإقامة الصَّلاة وأدائها على الوجه الصَّحيح السَّليم؛ قال الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: (43)]، أي: على المسلم أن يأتي بالصَّلاة على الوجه المشروع مستوفية لما يُطلب فيها من شرائط وواجبات ومندوبات، ولكن قد يتعرّض المسلم لبعض النّقص في صلاته، فشُرع سجود السّهو جبرًا لهذا النقص، ورفعًا له.
وقد اختلف علماء الشَّريعة الإسلاميَّة في حكم سجود السَّهو على أقوال:
القول الأول: سجود السَّهو واجبٌ، وهو الصحيح عند السَّادة الحنفيَّة، والمذهب عند الظَّاهرية، وهو أحد القولين في مذهب السَّادة المالكيَّة.
وقد استدلَّوا على ذلك بأدلَّة، منها:
فعلُه صلى الله عليه وسلم وأمرُه بسجود السهو، من ذلك: ما ورد عن سيدنا أبي هُريرة رَضِيَ الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ الله صلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلاَةُ، أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ؟» فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ» [صحيح البخاري، ك: أبواب ما جاء في السهو، ب: من لم يتشهد في سجدتي السهو، ح: (1228)].
ووجه الدَّلالة: أنَّ سيّدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، قد سها في صلاته فسجد للسَّهو، وواظب عليه هو وصحابته رضوان الله عليهم، والمواظبة دليل الوجوب. [ينظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني، لابن مازة الحنفي، (1 /499)، ط: دار الكتب العلمية، بيروت -الأولى - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (1/ 163)، دار الكتب العلمية، ط: الثانية].
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا نُودِيَ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لاَ يَسْمَعَ الأَذَانَ، فَإِذَا قُضِيَ الأَذَانُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ، أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا، مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى ثَلاَثًا أَوْ أَرْبَعًا، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ" [متّفقٌ عليه: صحيح البخاري، أبواب ما جاء في السهو، باب إذا لم يدر كم صلى ثلاثا أو أربعا، سجد سجدتين وهو جالس (2/ 69) ح: 1231، وصحيح مسلم، ك: المساجد ومواضع الصلاة، ب: السهو في الصلاة والسجود له (1/ 398)، ح: 389].
وجه الدلالة: أن مطلق الأمر بالسجود للسهو لوجوب العمل. [يُنظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (1/ 163)].
وبما روي عن سيّدنا عُمَر رضي الله عنه َعَنِ سيّدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ سَهْوٌ فَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ السَّهْوُ وَإِنْ سَهَا مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ سَهْوٌ وَالْإِمَامُ كَافِيهِ» [سنن الدارقطني، ك: الصلاة، ب: ليس على المقتدي سهو وعليه سهو الإمام، ح: (1413)].
وجه الدلالة: أن لفظة "على" للوجوب. [ينظر: دقائق أولي النهى لشرح المنتهى، للإمام البهوتي، (1 /233)، عالم الكتب، ط: الأولى].
كما بيَّنوا: أنَّ سجود السَّهو جبرٌ لنقصان العبادة فكان واجبًا كدماء الجبر في الحج، وأن أداء العبادة بصفة الكمال واجب وصفة الكمال لا تحصل إلا بجبر النقصان. وأن الاحتياط في العبادة ليؤديها بكمالها واجب. [المبسوط للسرخسي، (1/ 218)، دار المعرفة – بيروت - وينظر: الحاوي الكبير، للماوردي، (2 /227)، دار الكتب العلمية، بيروت- ط: الأولى].
جاء في الاختيار لتعليل المختار: "سجود السّهو واجب ...؛ لأنه شُرع لنقص تمكّن في الصَّلاة ورفعه واجبٌ فيكون واجبًا، ولا يجبُ إلا بترك الواجب دون السّنُّة، ووجب نظرًا للمعذور بالسّهو لا للمتعمد". [الاختيار لتعليل المختار، لعبد الله بن محمود، (1 /72)، مطبعة الحلبي - وينظر: درر الحكام شرح غرر الأحكام، لملا خسرو، (1 /150)، دار إحياء الكتب العربية].
وقال الإمام القاضيّ عبد الوهاب المالكيّ رحمه الله: "مسألة: الذي يقتضيه مذهبنا أن سجود السّهو للنقصان واجبٌ في الصَّلاة؛ لأن مالكًا اختلف قوله فيه" [الإشراف على نكت مسائل الخلاف، للقاضي عبد الوهاب، (1 /276)، دار ابن حزم، ط: الأولى].
وقال الإمام الحطّاب المالكي رحمه الله: "واختلف في حكم سجود السهو قَبليًّا كان أو بَعديًّا: فأما القَبليّ: فقيل: إنه سنة. قاله ابن عبد الحكم، وقيل: واجب. أخذه المازري من بطلانها بتركه. وقيل: بوجوبه في ثلاث سنن، وبالسنة في سنتين، وأما البَعديّ: فقال عبد الوهاب، والمازري: هو سنة. وقيل: واجبٌ، حكاه في الطراز. هكذا نقل ابن عرفة الخلاف، ونقله عنه ابن ناجي في شرحه على المدونة". [مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (2/ 14)، دار الفكر، ط: الثانية].
وقال الإمام ابن حزم الظَّاهريّ رحمه الله: "مسألة: كل عمل يعمله المرء في صلاته سهوًا وكان - ذلك العمل مما لو تعمده ذاكرًا بطلت صلاته - فإنه يلزمه في السَّهو سجدتا السَّهو" [المحلى بالآثار، (3 /73)، دار الفكر].
القول الثاني: سجود السَّهو سُنَّة مؤكدة، وهو مشهور مذهب السَّادة المالكيَّة، والسَّادة الشَّافعيَّة، وهو قول بعض السَّادة الحنفيَّة، وعند السّادة الحنابلة أنه سُنَّة إن أتى المصلي بمشروعٍ في غير محله كقراءة سورة الفاتحة جالسًا.
واستدلّوا على ذلك بأدلَّة، منها:
ما ورد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدريِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُلْقِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى الْيَقِينِ، فَإِنِ اسْتَيْقَنَ التَّمَامَ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً كَانَتِ الرَّكْعَةُ نَافِلَةً وَالسَّجْدَتَانِ، وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً كَانَتِ الرَّكْعَةُ تَمَامًا لِصَلَاتِهِ، وَالسَّجْدَتَانِ يُرْغِمَانِ أَنْفَ الشَّيْطَانِ» [المستدرك على الصحيحين للحاكم، ك: الوتر، ب: السهو، ح: (1202)، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذه السياقة].
ووجه الدَّلالة: أنه صلَّى الله عليه وسلَّم صرَّح بكونهما نافلة، وذكر صلَّى الله عليه وسلَّم كونهما ترغيمًا للشّيطان، وترغيم الشّيطان ليس بواجب. [ينظر: شرح التلقين، لمحمد بن علي بن عمر، (1 /605)، ط: دار الغرب الإِسلامي، الأولى].
وقالوا: أنَّ سجود السَّهو لمّا كان ينوب عن المسنون دون المفروض، وجب أن يكون مسنونًا؛ لمِا استقر في الأصول أنّ البدل على حكم مُبدلِهِ أو أخف، فلما كان المبدل مسنونًا وجب أن يكون البدل مسنونًا. [ينظر: حاشية الجمل على شرح المنهج، للجمل، (1 /446)، دار الفكر].
وقالوا أيضًا: أنَّ سجود السَّهو لا تبطل الصَّلاة بتركه، فلم يكن واجبًا كسجود التلاوة. [ينظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي، للعمراني، (2 /345)، دار المنهاج، ط: الأولى].
وبيّنوا كذلك: أنَّ الأمر الوارد في قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيضًا: «وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ » ظاهره الوجوب، ولكن صُرف للندب لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. [ينظر: الحاوي الكبير، (2 /227)].
قال الإمام الزيلعي الحنفيّ رحمه الله: "(باب سجود السَّهو) وهو واجب – أي سجود السَّهو- عندنا ...، وقال بعضهم: إنه سُنَّة" [تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ، للإمام الزيلعي، (1 /191)، الأميرية، ط: الأولى. ويُنظر: فتح القدير للكمال ابن الهمام (1/ 502)، دار الفكر - وحاشية الشرنبلالي على درر الحكام شرح غرر الأحكام (1/ 150)، دار إحياء الكتب العربية].
وقال الإمام الرَّملي الشَّافعيَّ رحمه الله: "(سجود السَّهو) ... (سُنَّة) مؤكدة، ولو في نافلة سوى صلاة الجنازة، وشمل ذلك ما لو سها في سجدة التلاوة خارج الصّلاة فيسجد للسّهو" [نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، للإمام الرملي، (2 /66)، دار الفكر. وينظر: المجموع شرح المهذب، للإمام النووي، (4 /152)، دار الفكر].
وجاء في أسهل المدارك: " وحكمه - أي سجود السَّهو - أنه سُنَّة على المشهور كما في المختصر، وهو مذهب المصنِّف، ولذا قال رحمه الله تعالى: " سجود السّهو يجزئ عن ترك السنن " ...، وقد علمت أن المشهور سُنيّته كما تقدم. قال أبو البركات الشيخ أحمد الدردير في أقرب المسالك: يُسنّ لساهٍ عن سُنَّة مؤكدة أو سنتين خفيفتين، أو مع زيادة ولو شكًّا سجدتان قبل السّلام، ولو تكرر إلخ. ولا فرق في سُنيّة سجود السّهو بين الفرض والنافلة، كما لا فرق في ذلك بين القَبلي والبَعدي..." [أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك»، للإمام أبي بكر الكنشاوي، (1 /271)، دار الفكر، ط: الثانية].
القول الثالث: مذهب السادة الحنابلة، ولهم فيه تفصيلٌ:
1ـ فهو عندهم مباحٌ عند ترك سُنَّة قوليَّة أو فعليَّة: كترك القنوت في صلاة الوتر وغيره.
2ـ ومسنون عند إتيان المصلِّي قولًا مشروعًا في غير موضعه.
3ـ وواجب عند فعل شيءٍ أو ترك شيءٍ يُبطل عمدُه الصلاة: كسلامٍ عن نقص، أو زيادة ركعة، أو نحو ذلك.
-قال الإمام الرحيباني رحمه الله: "(وهو) أي: سجود السهو (إما مباحٌ، كترك سنة) قوليّة، كاقتصاره على مرة في التسبيح، أو فعليّة كالهيئات، (أو مسنونٌ، كإتيان) مصلٍّ (بقولٍ مشروع في غير موضعه، سهوًا كقراءته سورة في) الركعتين (الأخيرتين) من رباعية، أو في ثالثة مغرب، (أو) قراءته (قاعدًا) أو راكعًا، (أو ساجدًا، وتشهده قائمًا) لعموم: «إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» رواه مسلم. وكالسلام من نقصان فإن لم يكن مشروعا ك: آمين رب العالمين، و: الله أكبر كبيرًا؛ لم يشرع له سجود؛ «لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر به من سمعه يقول في صلاته: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى». (أو واجبٌ فيما إذا زاد سهوًا فعلًا، وإن قلَّ، من جِنسها) ، أي: الصلاة (قيامًا أو قعودًا، ركوعًا أو سجودًا) ولو قدْر جلسة الاستراحة، فيسجد له وجوبًا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن مسعود: «فَإَذَا زَادَ الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» رواه مسلم. (أو ترك واجبًا) سهوًا (أو سلَّمَ قبل إتمام) صلاته (أو لَحَنَ) في الفاتحة أو السورة (لحنًا يُحيل المعنى سهوًا أو جهلًا)؛ سجد للسهو، لينجبر النقص". [مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (1/ 507، 508)، المكتب الإسلامي، ط: الثانية. وينظر: دقائق أولي النهى لشرح المنتهى، للإمام البهوتي، (1 /233) - والمغني، لابن قدامة، (2 /6)، مكتبة القاهرة - والفوائد المنتخبات في شرح أخصر المختصرات، لعثمان الحنبلي، (1 /235)، مؤسسة الرسالة، ط: الأولى].
والمختار للفتوى من هذه الأقوال: أنَّ سجود السَّهو سُنَّة مؤكدة عن سيّدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد شُرع لجبر الصّلاة، فإذا نقص المصلي في صلاته أو زاد فيها، أو شكّ في عدد الرّكعات إلى غير ذلك، سجد لذلك سجدتين.
وأمّا عن محل السّجود للسهو قبل السّلام أم بعده فلينظر فتوى رقم: (7427).
والله سبحانه تعالى أعلى وأعلم
هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.