أحكام الصلاة

حكم الصلاة خلف الإمام القَّاعد؟

مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف

حكم الصلاة خلف الإمام القَّاعد؟

ذهب جمهور الفقهاء من السَّادة الحنفيَّة والإمام مالك رَحِمَهُ اللهُ في روايةٍ عنه والسَّادة الشَّافعيَّة إلى أنه تجوز الصَّلاة خلف الإمام القاعد، ويصلِّي المأمومون خلفه قيامًا؛ بينما ذهب السَّادة الحنابلة إلى أن المأمومين يصلُّون جلوسًا خلف الإمام القاعد.

الحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ، وَبَعْدُ...

فقد اتَّفق الفقهاء على أنَّ القيام للمستطيع في الصَّلاة المفروضة فرضٌ، فإذا عجز المصلِّي عن القيام صلَّى قاعدًا،

والمستحبُّ عند جمهور الفقهاء استخلاف الإمامِ غيرَه لِيؤمَّ المصلِّين قائمًا وهم قائمون. [يُنظر: الحاوي الكبير، (2/ 306)، دار الكتب العلميَّة، بيروت، ط: الأولَى. والمغني، لابن قدامة، (2/ 162)، مكتبة القاهرة].

فإن صلَّى الإمامُ قاعدًا ولم يستخلف، فقد اختلف الفقهاء في صلاة المأمومين خَلْفَه على ثلاثة أقوالٍ:

القول الأوَّل: أنَّه لا تجوز الصَّلاة خلف القاعد بحالٍ من الأحوال. وإليه ذهب الإمام محمَّد بن الحسن رَحِمَهُ اللهُ من الحنفيَّة، والإمام مالك رَحِمَهُ اللهُ في المشهور عنه.

لما رُوي عن سيِّدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَؤُمَّنَّ رَجُلٌ بَعْدِي جَالِسًا» [سنن الدَّارقطنيّ، ح: (1485)، ك: الصَّلاة، ب: صلاة المريض جالسًا بالمأمومين، (2/ 252). وقال الدَّارقطنيُّ: لم يَرْوِهِ غير جابر الجعفيّ، عن الشَّعبيِّ: وهو متروكٌ، والحديث مرسلٌ لا تقوم به حُجَّة].

قال الإمام السَّرخسيُّ من الحنفيَّة رَحِمَهُ اللهُ: "فأمَّا إذا كان الإمام قاعدًا والمقتدي قائمًا يصحُّ عند أبي حنيفة وأبي يوسف رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى استحسانًا، وعند محمَّد رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى لا يصحّ قياسًا" [المبسوط، (1/ 213، 214)، دار المعرفة بيروت. ويُنظر: التَّبصرة، للخمي (1/ 314)، وزارة الأوقاف والشّؤون الإسلاميَّة- قطر، ط: الأولَى].

القول الثَّاني: أنَّ الصَّلاة خلف القاعد جائزةٌ ويصلِّي المأمومون خلفه قيامًا. وإليه ذهب السَّادة الحنفيَّة، والإمام مالك في روايةٍ عنه، والسَّادة الشَّافعيَّة.

وذلك؛ لما رواه الشَّيخان؛ البخاريّ، ومسلم رَحِمَهُمَا اللهُ عَنْ أم المؤمنين السَّيِّدة عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: لمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ بِلاَلٌ يُوذِنُهُ بِالصَّلاَةِ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ»... الحديث وفيه: "فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي قَاعِدًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلاَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ مُقْتَدُونَ بِصَلاَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ" [مُتَّفقٌ عليه؛ صحيح البخاريّ، ح: (713)، ك: الأذان، ب: الرَّجل يأتمُّ بالإمام ويأتمُّ النَّاس بالمأموم، (1/ 144). صحيح مسلم، ح: (418)، ك: الصَّلاة، ب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذرٌ من مرضٍ وسفرٍ...، (1/ 311)].

جاء في مجمع الأنهر: "(وكذا) يجوز (اقتداء المتوضِئ بالمتيمِّم) ... (والقائم بالقاعد)؛ لأنَّه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «صلَّى آخر صلاته قاعدًا، والقوم خلفه قيام»" [مجمع الأنهر في شرح ملتقَى الأبحر، لِشيخي زاده، (1/ 112)، دار إحياء التُّراث العربيّ. ويُنظر: المجموع شرح المهذَّب، (4/ 265)، دار الفكر].

القول الثَّالث: أنَّ الصَّلاة خلف إمامٍ قاعدٍ جائزةٌ، ويصلِّي المأمومون خلفه قعودًا. وإليه ذهب السَّادة الحنابلة.

وذلك؛ لما رواه الشَّيخان- البخاريُّ، ومسلم رَحِمَهُمَا اللهُ- بسندهما عن سيِّدنا أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ " [مُتَّفقٌ عليه؛ صحيح البخاريّ، ح: (734)، ك: الأذان، ب: إيجاب التَّكبير، وافتتاح الصَّلاة، (1/ 147). صحيح مسلم، ح: (417)، ك: الصَّلاة، ب: صلاة النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مرضه وخلفه أبو بكر، (1/ 311)].

قال الإمام ابن قدامة رَحِمَهُ اللهُ: "قال [أي الإمام الخرقي رَحِمَهُ اللهُ]: (وإذا صلَّى إمام الحيِّ جالسًا صلَّى من وراءه جلوسًا) ... فإن صلَّى بهم قاعدًا جاز، ويصلون مِن ورائه جلوسًا" [المغني، لابن قدامة، (2/ 162)].

والرَّاجح من هذه الأقوال هو القول الثَّاني؛ قول الجمهور من السَّادة الحنفيَّة والسَّادة الشَّافعيَّة والسَّادة المالكيَّة في روايةٍ بجواز صلاة الإمام في الفريضة قاعدًا إذا كان لعذرٍ، ويصلِّي المأمومون خَلْفَهُ قيامًا.

وقد تناولنا المسألة تفصيلًا في الفتوى رقم: (579).

وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.

هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.