قمت من نومي وأنا جنب وقرأت أذكاري وأثناء القراءة، قمت بقراءة بعض آيات من القرآن الكريم وقصدي إكمال الأذكار، فهل جائز ما قرأت أم حرام؟ أرجو الرد لأني في حيرة من أمري، وشكرًا.
بِاسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدُ...
فإن ذكر الله عز وجل من أعظم القربات وأفضل الطاعات، وقد أمر الله عز وجل بكثرة ذكره، وعلى كل حال، فقال جل شأنه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42)} [الأحزاب: 41 - 42]. وقال أيضًا: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ...} [النساء: 103].
ولا تُشترط الطهارة لذكر الله عز وجل، وقد أجمع العلماء على ذلك، واستدلُّوا على ذلك بحديث أم المؤمنين السَّيِّدة عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ «كَانَ يَذْكُر اللهَ عَلَى كُلِّ أحيَانِه» [صحيح مسلم، ح: (373)، ك: الحيض، ب: ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها، (1/ 282)].
قال الإمام النووي رحمه الله: "أجمع العلماءُ على جواز الذِّكر بالقلب واللسانِ للمُحْدِث والجُنب والحائض والنفساء..." [الأذكار للنووي (ص: 51)، دار ابن كثير، دمشق – بيروت، ط: الثانية].
وإذا اشتمل الذِّكر على آياتٍ من القرآن الكريم جاز للجنب والحائض ونحوهما أيضًا قراءة هذه الآيات بقصد الذكر لا بقصد التلاوة.
قال الإمام ابن نُجيم الحنفي رحمه الله: "لَوْ قَرَأَ الْجُنُبُ قُرْآنًا: فَإِنْ قَصَدَ التِّلَاوَةَ حَرُمَ، وَإِنْ قَصَدَ الذِّكْرَ فَلَا، وَلَوْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ فِي صَلَاتِهِ عَلَى الْجِنَازَةِ إنْ قَصَدَ الدُّعَاءَ وَالثَّنَاءَ لَمْ يُكْرَهْ، وَإِنْ قَصَدَ التِّلَاوَةَ كُرِه". [الأشباه والنظائر (ص: 46)، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط: الأولى].
وقال الإمام السيوطي رحمه الله: "إذَا تَلَفَّظَ الْجُنُبُ بِأَذْكَارِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِهَا، فَإِنْ قَصَدَ الْقِرَاءَةَ فَقَطْ، حُرِّمَ، أَوْ الذِّكْرَ فَقَطْ فَلَا، وَإِنْ قَصَدَهُمَا حُرِّمَ، أَوْ أَطْلَقَ حُرِّمَ أَيْضًا، بِلَا خِلَافٍ". [الأشباه والنظائر (ص: 45)، دار الكتب العلمية، ط: الأولى].
لكن ذَكَر الإمام النَّوويُّ رَحِمَهُ اللهُ أنه لا يحرم عليه إلا إذا قصد التلاوة فقط، فقال رحمه الله: "قال أصحابُنا: ويجوز للجُنب والحائض أن يقولا عند المصيبة: {إنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، وعند ركوب الدابة: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ}، وعند الدعاء: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، إذا لم يقصدا به القرآن، ولهما أن يقولا: بسم الله، والحمد لله، إذا لم يقصدا القرآن، سواءٌ قصدا الذكر أو لم يكن لهما قصد، ولا يأثمان إلا إذا قصدا القرآن". [الأذكار للنووي (ص: 51، 52)].
وبيّن ذلك في شرحه للمهذب أيضًا فقال: " قال إمام الحرمين ووالده الشَّيخ أبو محمَّد والغزاليُّ في البسيط: إذا قال الجنب: باسم الله أو الحمد لله، فإن قَصَد القرآن عَصا، وإن قصد الذِّكر لم يَعصِ، وإن لم يقصد واحدًا منهما لم يعصِ أيضًا قطعًا؛ لأنَّ القصد مرعيٌّ في هذه الأبواب". [المجموع شرح المهذَّب، (2/ 162)، دار الفكر].
ومع اتفاق العلماء على عدم اشتراط الطهارة للذكر إلا أنهم قالوا باستحباب الطهارة من الحدثَيْن الأكبر والأصغر عند قراءة الأذكار.
قال الإمام الكمال بن الهمام رحمه الله: "وَأَمَّا قِرَاءَةُ الذِّكْرِ فَأَفَادَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ الْأَذَانِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَذَانِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ أَنَّ الْوُضُوءَ فِيهِ مُسْتَحَبٌّ". [فتح القدير، (1/ 168)، دار الفكر].
وبناء على ما سبق: فيجوز للجنب ونحوه قراءة الأذكار والأدعية حتى وإن اشتملت على آيات قرآنية، وذلك إذا قصد بقراءتها الذِّكر لا تلاوة القرآن، والأَولى والأفضل له أن يكون قراءته للأذكار على طهارة ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. ولمزيد من التفصيل حول قراءة الجنب للقرآن يمكنكم الاطلاع على فتوى رقم: (224).
على أننا ننصح السائل الكريم بأن يُسارع في رفع الجنابة بالطَّهارة والغُسل قدر المستطاع؛ ليتمكَّن من أداء العبادات والشَّرائع الَّتي يُشترط لها الطَّهارة، ولْيُحصِّل فضل المحافظة على الطَّهارة والبقاء عليها، فالله عَزَّ وَجَلَّ يقول: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]، ولمعرفة صفة الغُسل من الجنابة يمكنكم الاطلاع على الفتوى رقم: (154).
وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.
هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.