أصابتني جنابة، وقبل الاغتسال قرأت وردي من القرآن لكن في نفسي بدون صوت، فهل هذا حرام؟
بِاسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدُ...
فالجَنابة وصفٌ للرَّجل والمرأة إذا حصل منهما جماعٌ، أو حدث نزول للمَنِيِّ بشهوةٍ ولو من غير جِماع.
وقد ذهب جمهور الفقهاء من الأئمة الأربعة إلى حُرمة قراءة القرآن للجُنُب -خلافًا للظاهرية ومَن وافقهم- إذا كانت القراءة بقصد التِّلاوة، أمَّا إذا كانت بغير قصد التِّلاوة: كأن قرأ بعضه بقصد الدُّعاء، أو التَّحصُّن، أو الذِّكر، أو جرَى على لسانه من غير قصدٍ... فلا يَحرُم.
واستدلُّوا على ذلك: بما أخرجه الإمام التِّرمذيُّ رَحِمَهُ اللهُ في سننه عن سيِّدنا ابن عمر رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قال: «لَا تَقْرَأِ الحَائِضُ، وَلَا الجُنُبُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ» [سنن التِّرمذيِّ، ح: (131)، أبواب: الطَّهارة، ب: ما جاء في الجنب والحائض...، (1/ 194)].
وكذلك ما ورد عن سيِّدنا عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: « كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُقْرِئُنَا القُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا» [سنن التِّرمذيِّ، ح: (146)، ك: الطَّهارة، ب: في الرَّجل يقرأ القرآن على كلِّ حالٍ ما لم يكن جُنُبًا، (1/ 214). وقال: حسنٌ صحيحٌ].
كما يجوز للجنب -عندهم- أن يقرأ القرآن الكريم في نفسه دون صوتٍ أو تحريكٍ لشفتيه. قال الإمام البهوتيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «وحرُم عليه قراءة آيةٍ فصاعدًا... ولا يحرُم عليه قراءة بعض آيةٍ؛ لأنَّه لا إعجاز فيه، ما لم تكن طويلة ... وله قراءة لا تجزئ في الصَّلاة لإسرارها...» أي قراءة في نفسه بغير صوتٍ ولا تحريكٍ لشفتَيْه. [كشَّاف القناع عن متن الإقناع، (1 /147)، دار الكتب العلميَّة].
وقال الإمام النَّوويُّ رَحِمَهُ اللهُ: "اعلم أن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها، واجبةً كانت أو مستحبةً لا يُحسبُ شيءٌ منها ولا يُعتدّ به حتى يتلفَّظَ به بحيثُ يُسمع نفسه إذا كان صحيح السمع لا عارض له". [الأذكار للنووي (ص: 55)، دار ابن كثير، دمشق – بيروت، ط: الثانية].
وقال الإمام الكاساني رحمه الله: «القراءة لا تكون إلا بتحريك اللسان بالحروف». [بدائع الصنائع (3 /55)، دار الكتب العلمية، ط: الثانية].
وينظر: ولمزيد من التفصيل حول القراءة دون تحريك اللسان أو الشفتَيْن يرجى الاطلاع على الفتوى رقم: 2083
وبِنَاءً على ما سبق: فيحرم على الجُنُبِ قراءة القرآن الكريم بقصد التَّلاوة، أمّا قراءة السائل الكريم في نفسه دون صوت ولا تحريك شفتَيْه؛ فلا تُحسب ولا تُعدّ قراءة؛ فلا حُرمة فيها.
ولمزيد من التفصيل يمكنكم الاطلاع على فتوى رقم: (224).
كما ننصح السائل الكريم بأن يُسارع في رفع الجنابة بالطَّهارة والغُسل قدر المستطاع؛ ليتمكَّن من أداء العبادات والشَّرائع الَّتي يُشترط لها الطَّهارة، ولْيُحصِّل فضل المحافظة على الطَّهارة والبقاء عليها، فالله عَزَّ وَجَلَّ يقول: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]، ولمعرفة صفة الغسل من الجنابة يمكنكم الاطلاع على الفتوى رقم: (154).
وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.
هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.