أحكام الجنابة والحيض والنفاس

كنت أدعو الله عزَّ وجلَّ وأنا على جنابة، وكانت بعض دعواتي آيات من القرآن الكريم، فهل ما فعلته حرام؟ أرجو الإفادة.

مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف

كنت أدعو الله عزَّ وجلَّ وأنا على جنابة، وكانت بعض دعواتي آيات من القرآن الكريم، فهل ما فعلته حرام؟ أرجو الإفادة.

لا يُشترط للدعاء الطهارة، وإذا اشتمل الدعاء على بعض آيات القرآن الكريم كقوله تعالى: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، ونحوه جاز الدعاء به ولو كان الإنسان على جنابة؛ لأنه لم يقصد تلاوة القرآن، وإنما قصد الدعاء.

بِاسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدُ...

فالدعاء هو العبادة، وقد أمر الله عز وجل عبادَه بالدعاء ووعدهم بالإجابة، فقال جل شأنه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60].

وينبغي أن يسأل العبدُ ربَّه وهو على ثقةٍ ويقين بإجابة دعائه، وأن يستحضر عظمة مَن يدعوه، فعَنْ سيّدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ»: [جامع الترمذي ح: 3479، أبواب الدعوات، بابٌ (5/ 517) وقال الترمذي: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ»].

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه اللله: "أجمعت الأمم على أن الدعاء اللساني الخالي عن الطلب النفساني قليل العمل عديم الأثر". [مفاتيح الغيب (3/ 622)، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، ط: الثالثة].

والطهارة ليست شرطًا لصحة الدعاء وإن كان الأفضلُ أن يكون العبد على أكمل أحواله من الطهارة واستقبال القبلة؛ فإنه أدعى لحضور القلب، وأرجى لإجابة الدعاء.

جاء في شرح التلقين: "والدعاء لا يفتقر إلى طهارة". [شرح التلقين، للإمام المازري (1/ 1147)، دار الغرب الإِسلامي، ط: الأولى ويُنظر: المبسوط للسرخسي (2/ 126، 127) دار المعرفة - بيروت، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (1/ 330) دار الفكر، ط: الثَّالثة].

وقال الإمام ابن القطَّان رَحِمَهُ اللهُ: "وأجمعوا على أنَّ الجنب والحائض لهما أن يسمِّيا الله تعالى، ويذكرانه". [الإقناع في مسائل الإجماع، (1/ 320)، الفاروق الحديثة للطِّباعة والنَّشر، ط: الأولَى].

كما أن قراءة بعض آيات القرآن بقصد الدعاء لا يُعدّ قراءة للقرآن؛ فلا يحرم على الجنب أن يدعو ببعض آيات القرآن.

يقول الإمام القرافيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "القرآن على قسمين: أحدهما: لا يُذكَرُ إلَّا قرآنًا كقوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المُرْسَلِينَ} [الشُّعراء: 160]، فيحرُمُ على الجنب قراءَتُهُ؛ لأنَّه صريحٌ في القرآن ولا تعوُّذ فيه. وثانيهما: هو تعوُّذٌ كالمعوِّذتين، فتجوز قراءتهما لضرورة دفع مفسدة المُتَعَوَّذ منه... والمتعوِّذُ لا يُعَدُّ قارئًا، وكذلك المُبَسْمِلُ والحامِدُ فبقيَ ما عدا هذه الصُّور على المنع" [الذَّخيرة، (1/ 315، 316)، دار الغرب الإسلاميّ- بيروت، ط: الأولَى].

وبِنَاءً على ما سبق: فقراءة القرآن الكريم للجنب بقصد الدُّعاء جائز ولا حُرمة فيه، وإن كان الأولى في الداعي أن يكون على طهارة؛ فإنه أرجى للإجابة.

ولمزيد من التفصيل حول قراءة الجنب للقرآن يمكنكم الاطلاع على فتوى رقم: (224).

وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.

هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.