حكم من جامع زوجته في نهار رمضان؟
باسم الله، والحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، وبعد...
فإنَّ صيام شهر رمضان رُكن من أركان الدِّين الحنيف، ومن شعائر الإسلام التي يجب الحفاظ عليها، قال تعالي :{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
وعن سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما قال: قَالَ رَسُولُ الله صلَّى الله وعليه وسلَّم: "بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَان" [متّفقٌ عليه: صحيح البخاري، ح: (8)، ك: الإيمان، ب: قول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: بُني الإسلام على خمس، (1/ 11)، وصحيح مسلم، ح: (9)، ك: الإيمان، ب: الإيمان ما هو وبيان خصاله، (1 /39)].
والصَّيام في الشَّرع كما عرّفه الإمامُ الموصليُّ الحنفيّ: عبارة عن إمساك مخصوص، وهو الإمساك عن المفطرات الثلاث بصفةٍ مخصوصةٍ، وهو قصد التَّقرُّب، مِن شخصٍ مخصوصٍ، وهو المسلم، بصفةٍ مخصوصةٍ، وهي الطَّهَّارة عن الحيض والنِّفاس في زمانٍ مخصوصٍ، وهو بياض النَّهار من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. [الاختيار لتعليل المختار(1/ 125)]. والمفطرات الثلاث هي الطَّعام والشَّراب والجِماع. [يُنظر: البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري (2/ 278)].
وقد اتَّفقت كلمة الفقهاء من الأئمة الأربعة على وجوب القضاء والكفَّارة لمن جامع زوجته في نهار رمضان وهو صائم، متعمدًا من غير عذرٍ مُبِيحٍ أو رخصة.
يقول الإمام الكاساني الحنفي رحمه الله: «وأمَّا وجوب الكفَّارة فيتعلَّق بإفسادٍ مخصوصٍ وهو الإفطار الكامل بوجود الأكل أو الشُّرب أو الجماع صورةً ومعنى، متعمِّدًا، مِن غير عُذرٍ مُبِيحٍ، ولا مُرَخَّصٍ، ولا شبهة الإباحة» [بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (2/ 97، 98)].
وقال أبو الفضل الحنفي رحمه الله: «(ومَن جامع أو جومع في أحد السَّبيلين عامدًا، أو أكل أو شرب عامدًا غذاءً أو دواءً وهو صائمٌ في رمضان عليه القضاء والكفَّارة مثل المُظَاهِر) ولا خلاف في وجوب القضاء ووجوب الكفَّارة بالجماع؛ للإجماع» [الاختيار لتعليل المختار (1/ 131)].
ويقول شهاب الدِّين المالكي رحمه الله: «والكفَّارة بتعمُّد الفطر أو الجماع أو استدعاء المَنِي بدوام النَّظر أو تذكُّر أو تحريك دابَّة على المشهور» [إرشاد السَّالك إلى أشرف المسالك في فقه الإمام مالك (ص: 39)].
كما نصَّ السَّادة الشَّافعية على القضاء والكفارة لمن جامع في نهار رمضان جماعًا تامًّا أَثِمَ به بسبب الصَّوم.
يقول الإمام النَّووي رحمه الله: «مذهبنا أنَّ مَن أفسد صوم يوم مِن رمضان بجماعٍ تامٍّ أَثِمَ به بسبب الصَّوم، لَزِمَتْه الكفَّارة، وبهذا قال مالكٌ وأبو حنيفة وأحمد وداود والعلماء كافَّة...» [المجموع شرح المهذب (6/ 344)].
وكذلك ذهب السَّادة الحنابلة إلى أنَّ مَن جامع زوجته في نهار رمضان عامدًا كان أو ساهيًا عليه القضاء والكفَّارة.
يقول الإمام ابن قدامة رحمه الله: «وإِذا جامع في نهار رمضان في الفَرْج، قُبُلًا كان أو دُبُرًا فعليه القضاء والكفارة عامدًا كان أو ساهيًا» [المقنع في فقه الإمام أحمد (ص: 103)].
يقول المرداوي رحمه الله: «لا خلاف في وجوب القضاء والكفَّارة على العامد، والصَّحيح مِن المذهب: أن النَّاسي كالعامد في القضاء والكفَّارة، نقله الجماعة عن الإمام أحمد، وعليه أكثر الأصحاب، قال الزَّركشي رحمه الله: هو المشهور عنه، والمختار لعامة أصحابه، وهو من مفردات المذهب» [الإنصاف في معرفة الرَّاجح من الخلاف (3 /311)].
وبناءً على ما سبق: فمن جامع زوجته في نهار رمضان فقد انتهك حرمة الشَّهر، وعصى الله تعالى وأفسد صيامه،ولَزِمَه القضاء والكفَّارة، وعليه أن يتوب إلى الله ويقضي صيام هذا اليوم ويكفِّر كفارة الجماع في نهار رمضان، وهي: صيام شهرين متتابعين، فإن عجز عن ذلك فليُطعم ستِّين مسكينًا, وهذه الكفارة على هذا الترتيب لا ينتقل إلى الإطعام إلا إذا عجز عن صيام شهرين متتابعين؛ لما ثبت في الصحيحين أَنَّ أبا هريرة رضي الله عنه قال: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَلَكْتُ. قَالَ: «مَا لَكَ؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟» قَالَ: لاَ، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»، قَالَ: لاَ، فَقَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا». قَالَ: لاَ، قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَيْنَما نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ -وَالعَرَقُ المِكْتَلُ- قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟» فَقَالَ: أَنَا، قَالَ: «خُذْهَا، فَتَصَدَّقْ بِهِ» فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَوَاللهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا -يُرِيدُ الحَرَّتَيْنِ- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» [صحيح البخاري،ح: (1936)، ك: الصوم، ب: إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفِّر، (3 /32)، وصحيح مسلم، ح: (1111)، ك: الصيام، ب: تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم... (2 /781)].
وممَّا سبق يُعلم الجواب، والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم.
هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.