حكم من وجب عليه الفدية ولم يستطع إخراجها لفقر أو إعسار؟
الحَمْدُ لله، والصَّلاة والسَّلام عَلى سَيِّدنا رَسُولِ الله، وعَلَى آله وصَحْبِه ومَن والَاه، وبعد:
فمن سمات الشريعة الإسلامية: اليُسر ورفع الحرج، وقد فرض الله عزّ وجلّ الصومَ على كل مسلمٍ، بالغٍ، عاقلٍ، مقيمٍ، قادرٍ على الصوم، فإذا كان لا يقدر على الصوم وعجز عنه لكِبَر سنّه، فلا صوم عليه؛ لأن الله لا يُكلّف نفسًا إلا وسعها، وعليه الفدية على قول جمهور الفقهاء، وهي إطعام مسكين عن كل يومٍ أفطره، قال الله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184].
وقد تناولنا مسألة وجوب الفدية تفصيلًا في الفتوى رقم 1881.
فإذا كان مُعسرًا وعجز عن إخراج الفدية، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول: تسقط عنه الفدية ولا شيء عليه، وهو قول السادة الحنابلة، وأحد قولي السادة الشافعية، ومقتضى مذهب السادة الحنفية.
واستدلوا على ذلك بما يلي:
من الكتاب: بقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة 286].
وجه الدلالة: أنه عجز عن إخراج الفدية حال التكليف بها، فلا شيء عليه. [يُنظر: المغني، لابن قدامة (3/ 38)، مكتبة القاهرة].
ومن المعقول: قياسًا على زكاة الفطر، وبأن الفدية في حقّه ليست في مقابلة جناية ونحوها، فلا تستقرّ في ذمته، كما أنه أيضًا لا تقصير منه بوجهٍ من الوجوه. [يُنظر: المجموع شرح المهذب (6/ 259)، دار الفكر - وحاشية ابن عابدين رد المحتار على الدر المختار (2/ 427)، دار الفكر-بيروت، ط: الثانية].
قال الإمام الحصفكي الحنفي رحمه الله: "(وللشيخ الفاني العاجز عن الصوم الفطر ويفدي) وجوبًا... لو موسرًا، وإلا فيستغفر الله، هذا إذا كان الصوم أصلا بنفسه وخوطب بأدائه". [الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار (ص: 150)، دار الكتب العلمية، ط: الأولى].
وقال الإمام ابن عابدين رحمه الله في حاشيته: "(قوله وللشيخ الفاني) أي الذي فنيت قوته أو أشرف على الفناء، ولذا عرفوه بأنه الذي كل يوم في نقص إلى أن يموت. نهرٌ، ومثله ما في القهستاني عن الكرماني: المريض إذا تحقق اليأس من الصحة فعليه الفدية لكل يوم من المرض. اهـ، وكذا ما في البحر: لو نذر صوم الأبد فضعف عن الصوم لاشتغاله بالمعيشة له أن يطعم ويفطر؛ لأنه استيقن أنه لا يقدر على القضاء... (قوله ويفدي وجوبا)؛ لأن عذره ليس بعرضي للزوال حتى يصير إلى القضاء؛ فوجبت الفدية. نهرٌ... (قوله لو موسرًا) قيدٌ لقوله يفدي وجوبًا (قوله وإلا فيستغفر الله) هذا ذكره في الفتح والبحر عقيب مسألة نذر الأبد إذا اشتغل عن الصوم بالمعيشة فالظاهر أنه راجع إليها دون ما قبلها من مسألة الشيخ الفاني؛ لأنه لا تقصير منه بوجه، بخلاف الناذر؛ لأنه باشتغاله بالمعيشة عن الصوم ربما حصل منه نوع تقصير وإن كان اشتغاله بها واجبا؛ لما فيه من ترجيح حظّ نفسه. فليتأمل". [حاشية ابن عابدين رد المحتار على الدر المختار (2/ 427)].
وقال الإمام النووي الشافعي رحمه الله: "{فرعٌ} إذا أوجبنا الفدية علي الشيخ والمريض المأيوس من برئه وكان معسرًا هل يلزمه إذا أيسر أم يسقط عنه؟ فيه قولان: كالكفارة، (والأصح) في الكفارة بقاؤهها في ذمته إلى اليسار؛ لأنها في مقابلة جنايته، فهي كجزاء الصيد، وينبغي أن يكون الأصح هنا أنها تسقط، ولا يلزمه إذا أيسر، كالفطرة؛ لأنه عاجز حال التكليف بالفدية، وليست في مقابلة جناية ونحوها، وقطع القاضي في المجرد أنه إذا أيسر بعد الإفطار لزمه الفدية، فإن لم يفد حتى مات لزم إخراجها من تركته، قال: لأن الإطعام في حقه كالقضاء في حق المريض والمسافر، قال وقد ثبت أن المريض والمسافر لو ماتا قبل تمكنهما من القضاء لم يجب شيء، وإن زال عذرهما وقدَرَا على القضاء لزمهما، فإن ماتا قبله وجب أن يطعم عنهما". [المجموع شرح المهذب (6/ 259). ويُنظر: تحفة المحتاج في شرح المنهاج (3/ 440) المكتبة التجارية الكبرى بمصر لصاحبها مصطفى محمد].
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي رحمه الله: "والشيخ الهِمّ [أي الكبير الفاني] له ذمّة صحيحة، فإن كان عاجزا عن الإطعام، فلا شئ عليه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. والمريض الذى لا يرجى برؤه، حكمه حكم الشيخ فيما ذكرنا. [الشرح الكبير على المقنع، (7/ 365)، دار هجر للطباعة والنشر، القاهرة، ط: الأولى].
القول الثاني: تستقر الفدية في ذمّته، فإذا أيسر في أي وقتٍ وجب عليه إخراجها. وهو الأصحّ عند السادة الشافعية.
واستدلوا على ذلك:
بأن حقّ الله تعالى المالي إذا عجز عنه العبد وقت الوجوب_ يثبت في ذمته وإن لم يكن على وجه البدل إذا كان بسببٍ منه، وهو هنا كذلك، إذ سببُه فطرُه وإن كان مضطرًا إليه، بخلاف زكاة الفطر، وأنه لا فرق في وجوب الفدية بين الغني والفقير. [يُنظر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (2/ 174)، دار الكتب العلمية، ط: الأولى - وتحفة الحبيب على شرح الخطيب (2/ 397)، دار الفكر].
قال الإمام الخطيب الشربيني: "وقضية إطلاق المصنِّف أنّه لا فرق في وجوب الفدية بين الغني والفقير، وفائدته استقرارها في ذمة الفقير وهو الأصح على ما يقتضيه كلام "الروضة" وأصلها، وجرى عليه ابن المقري، ....] اهـ. [مغني المحتاج (2/ 174)، دار الكتب العلمية، ط: الأولى. ويُنظر: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (3/ 193)، دار الفكر، بيروت، ط: أخيرة].
والمختار للفتوى من القولَيْن: هو القول الأول قول جمهور الفقهاء: أن الشيخ الفاني العاجز عجزًا مستمرًا عن الصوم، أو المريض مرضًا لا يُرجى شفاؤه، يجب عليه الفدية، وإذا عجز عن الفدية لفقره وحاجته، فلا شيء عليه؛ لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة 286].
والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم.
هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.