حكم من كبر سنه ولا يستطيع الصوم هل تجب عليه الفدية؟
الحَمْدُ لله، والصَّلاة والسَّلام عَلى سَيِّدنا رَسُولِ الله، وعَلَى آله وصَحْبِه ومَن والَاه، وبعد:
فالصوم ركنٌ من أركان الإسلام، وهو فرض على كل مسلمٍ، بالغٍ، عاقلٍ، مقيمٍ، قادرٍ على الصيام، أما غير القادر على الصيام؛ لعجزٍ، أو مرضٍ، أو كِبر سنٍّ لا يقدر معه على الصوم فله أن يُفطر، ويَقضي بعد ذلك ما أفطره إن استطاع، قال الله تعالى: {... فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ...} [البقرة: 184] .
فإذا لم يستطع الصوم بقية عمُره؛ لكبر سنِّه أو مرضِه مرضًا لا يُرجى الشفاء منه: فقد اختلف الفقهاء في وجوب الفدية عليه على قولين:
القول الأول: تجب الفدية. وقال به جمهور الفقهاء من السادة الحنفية والسادة الحنابلة، والصحيح عند السادة الشافعية.
واستدلوا على ذلك بما يلي:
من الكتاب: بقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. [البقرة: 184].
وجه الدلالة: قال سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعما مكان كل يوم مسكينًا. [ يُنظر: تفسير القرطبي (2/ 288)، دار الكتب المصرية – القاهرة، ط: الثانية].
واستدلوا كذلك: بأن الصحابة رضوان الله عليهم أوجبوا الفدية على الشيخ الفاني، فكان ذلك إجماعًا منهم، ولأنّ الصوم لمّا فاته مسّت الحاجة إلى الجابر وتعذّر جبره بالصوم؛ فيُجبر بالفدية. [يُنظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (2/ 97)، الكتب العلمية، ط: الثانية].
ــ يقول الإمام الكاساني الحنفي رحمه الله:"وكذا كبر السن حتى يباح للشيخ الفاني أن يفطر في شهر رمضان؛ لأنه عاجز عن الصوم، وعليه الفدية عند عامة العلماء. وقال مالك: لا فدية عليه". [بدائع الصنائع (2/ 97)].
ــ وقال الإمام الشيرازي الشافعي رحمه الله: "ومن لا يقدر على الصوم بحال، وهو الشيخ الكبير الذي يجهده الصوم والمريض الذي لا يرجى برؤه فإنه لا يجب عليهما الصوم؛ لقوله عز وجل: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] وفي الفدية قولان: ... والثاني: يجب عن كل يوم مد طعام وهو الصحيح؛ لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قال: "الشيخ الكبير يطعم عن كل يوم مسكينًا...". [المهذب في فقه الإمام الشافعي، ( 1/ 326)، دار الكتب العلمية].
ــ ويقول الإمام ابن قدامة الحنبلي رحمه الله: "وإذا عجز عن الصوم لكبر: أفطر، وأطعم لكل يوم مسكينًا، وجملة ذلك: أن الشيخ الكبير، والعجوز، إذا كان يجهدهما الصوم، ويشق عليهما مشقة شديدة، فلهما أن يفطرا، ويطعما لكل يوم مسكينًا. وهذا قول عليٍّ، وابن عباسٍ، وأبي هريرة، وأنسٍ رضي الله عنهم، وسعيد بن جبير، وطاوس، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي". [ المغني، (3 /151)، مكتبة القاهرة].
مع التنبيه على: أنّه إذا فدِيَ ثم قدر على الصوم فقد بطل الفداء ووجب عليه قضاء ما فدى عنه عند السادة الحنفية؛ لأن شرط الفداء عندهم العجز المستدام في جميع عمره حتى موته. [يُنظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (2/ 105)، البناية شرح الهداية (4/ 84)، دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان، ط: الأولى].
القول الثاني: يرى استحباب الفدية، وعدم وجوبها، وقال به السادة المالكية، وهو مقابل الصحيح عند السادة الشافعية.
واستدلوا على ذلك:
من الكتاب: بقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. [البقرة: 184].
وجه الدلالة: أن وجوب الفدية إنما هو لمن قدر على الصوم، وفرّط فيه حتى دخل عليه رمضان آخر. [يُنظر: لوامع الدرر في هتك أستار المختصر (4/ 73)، دار الرضوان، موريتانيا، ط: الأولى - وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (2/ 97)].
ومن المعقول: بأن الشيخ الهرِم لا يجب عليه الصوم أصلًا، فلم يلزمه إطعام. [يُنظر: شرح الرسالة، للقاضي عبد الوهاب (1/ 219)، دار ابن حزم، ط: الأولى].
وأجابوا عن استدلال الجمهور بقوله تعالى: {... وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ... }. [البقرة: 184]. بأنّ هذه الآية في المُطيق للصوم، بدلالة قوله تعالى: {... وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}. [البقرة: 184]. وقال كثير من السادة المالكية بأنّ هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]. [يُنظر: المقدمات الممهدات (1/ 246)، دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان، ط: الأولى - وشرح الرسالة، للقاضي عبد الوهاب (1/ 220)].
قال الشيخ عليش رحمه الله: "(و) نُدِبَ (فدية) أي: إعطاء مد عن كل يوم لمسكين (ل) شخص (هرِم وعطِش) بفتح فكسر فيهما أي: دائم الهرم والعطش الشديد الذي لا يستطيع الصيام معه في فصل من فصول السنة، فيسقط عنه أداء الصوم وقضاؤه. وتندب له الفدية، فإن قدر عليه في زمن أخّر إليه وصام فيه وجوبًا، ولا تندب له الفدية هذا هو المشهور". [منح الجليل شرح مختصر خليل، (2/ 120)، دار الفكر – بيروت].
ـ وقال الإمام الشيرازي الشافعي رحمه الله: "ومن لا يقدر على الصوم بحال، وهو الشيخ الكبير الذي يجهده الصوم والمريض الذي لا يرجى برؤه فإنه لا يجب عليهما الصوم؛ لقوله عز وجل: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] وفي الفدية قولان: أحدهما: لا تجب؛ لأنه أسقط عنهما فرض الصوم فلم تجب عليهما الفدية؛ كالصبي والمجنون".[المهذب في فقه الإمام الشافعي، ( 1/ 326)].
والراجح من القولين: هو قول جمهور الفقهاء القائل بوجوب الفدية،؛ لقوة أدلتهم.
وعليه: فمن لم يقدر على الصوم لكِبَر سنّه أو مرضِه مرضًا لا يُرجى شفاؤه- فتجب عليه الفدية عن كلّ يومٍ أفطره إطعام مسكين.
والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم.
هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.