هل استنشاق دخان البخور و البخار الصاعد من القرنفل و غيره في نهار رمضان يفطر؟
باسم الله، والحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...
فإنَّ صوم رمضان مِنَ الأركان الَّتي فرضها الله على المسلم البالغ العاقل المقيم القادر على الصَّوم، فينبغي على الإنسان أنْ يؤدِّيه على أكمل وجه، حتَّى يحصل على الثَّواب الجزيل الذي أعدَّه الله عز وجل للصَّائمين؛ حيث يقول سيدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [متفقٌ عليه: صحيح البخاري، ح(38)، ك: الإيمان، ب: صوم رمضان احتسابا من الإيمان، (1 /16)، وصحيح مسلم، ح: 760 ك: صلاة المسافرين وقصرها ب: الترغيب في قيام رمضان، وهو التراويح، (1/ 523)].
وأصل الصيام: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع.
وقد ذهب جمهور الفقهاء من السَّادة الحنفية، والسَّادة المالكية في المعتمد عندهم، والسَّادة الحنابلة إلى أنَّ استنشاق البخور عمدًا يفسد الصوم ويُبطله، وأمَّا شمُّه مِن غير استنشاقٍ له ولا قصدٍ فلا يُفسده.
وعلّلوا ذلك: بأن فيه وصول جِرمٍ [أي جسم] إلى جوف الصائم بفعله عمدًا، وأما شمّه من غير قصدٍ فلا يُمكن التحرز عنه؛ فلا يُفطر. [يُنظر: الروض المربع شرح زاد المستقنع (ص: 232)، دار المؤسد- مؤسسة الرسالة].
يقول الإمام ابن عابدين الحنفي رحمه الله: "لو أدخل حلْقَهُ الدُّخَان بأيِّ صورة كان الإدخال، حتَّى لو تبخَّر بِبَخُور وآواه إلى نفسه واشتمَّه ذاكرًا لصومه أفطر؛ لإمكان التَّحَرُّزِ عنه، وهذا ممَّا يغفُلُ عنه كثير من النَّاس، ولا يُتوهَّم أنَّه كشمِّ الورد ومائهِ والمسكِ؛ لوضوح الفرق بين هواء تطَّيب بريح المسك وشبهه وبين جوهر دُخان وصل إلى جوفه بفعله". [رد المحتار على الدر المختار: ابن عابدين، (2 /395)، ط: دار الفكر-بيروت، الثانية، 1412هـ - 1992م].
ويقول الإمام الدسوقي المالكي رحمه الله: "(قوله وبترك إيصال بخور) أي لحلق (قوله ومثله بخار القدر) أي كأن استنشق قدر الطعام حتَّى وصل البخار لحلْقِه (قوله فمتى وصل) أي دُخَان البخور أو بخار القدر للحَلْق وجب القضاء؛ لأنَّ دُخَان البخور وبخار القدر كلُّ منهما جسم يتكيَّف به الدِّماغ ويتقوَّى به، أي تحصل له قُوَّة كالتي تحصل له مِنَ الأكل، واعلم أنَّ محلَّ وجوب القضاء بوصول البَخُور وبخار القدر لِلْحَلْقِ إذا وصل باستنشاق سواء كان المستنشق صانعه أو غيره، وأمَّا لو وصل واحد منهما لِلْحَلْقِ بغير اختياره فلا قضاء لا على الصَّانع ولا على غيره على المعتمد".[حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، (1 /525)، ط: دار الفكر].
ويقول الإمام ابن قدامة الحنبلي رحمه الله: "يفطر بكل ما أدخله إلى جوفه، أو مجوف في جسده كدماغه وحلقه، ونحو ذلك مما ينفذ إلى معدته، إذا وصل باختياره، وكان مما يمكن التحرز منه، سواء وصل من الفم على العادة، أو غير العادة كالوجور واللدود، أو من الأنف كالسعوط، أو ما يدخل من الأذن إلى الدماغ، أو ما يدخل من العين إلى الحلق كالكحل، أو ما يدخل إلى الجوف من الدبر بالحقنة، أو ما يصل من مداواة الجائفة إلى جوفه، أو من دواء المأمومة إلى دماغه، فهذا كله يفطره؛ لأنه واصل إلى جوفه باختياره، فأشبه الأكل". [المغني لابن قدامة (3/ 121)، مكتبة القاهرة].
وقال الإمام البهوتي الحنبلي رحمه الله: "(و) كره له (شم ما لا يؤمن) من شمه (أن يجذبه نفس لحلق) شام كسحيق مسك. (و) سحيق (كافور ودهن ونحوه) كبخور بنحو عود خشية وصوله مع نفسه إلى جوفه وعلم منه: أنه لا يكره شم نحو ورد وقطع عنبر ومسك غير مسحوق". [دقائق أولي النهى لشرح المنتهى (1/ 487)، عالم الكتب].
بينما ذهب السَّادة الشافعية إلى أنَّ استنشاق البَخُور لا يُفسد الصَّوم سواء تعمَّده الصَّائم أو لم يتعمَّده، شريطة ألا يعلم انفصال عينٍ.
وعلّلوا ذلك: بأن الإفطار يحصل بوصول عينٍ إلى جوف الصائم، ودخان البخور ونحوه ليس عينًا عرفا، وإنما هو أثرٌ؛ فلا يُفطر. [يُنظر: حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (3/ 401)، المكتبة التجارية الكبرى بمصر].
يقول الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله: "و الإمساك عن وُصُول العين إلى ما يُسَمَّى جوفًا؛ لأنَّ فاعل ذلك لا يُسَمَّى مُمْسِكًا بخلاف وُصُول الأثر كالطَّعم وكالرِّيح بالشَّمِّ، ومثلُهُ وُصُول دُخَان نحو البَخُور إلى الجوف وإن فتح فاهُ قصدًا لذلك". [تحفة المحتاج في شرح المنهاج: ابن حجر الهيتمي، (3 /400-401)، ط: المكتبة التجارية الكبرى بمصر، 1357 هـ - 1983 م].
والراجح: هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء مِنَ السَّادة الحنفية، والسَّادة المالكية في المعتمد عندهم، والسَّادة الحنابلة إلى أنَّ استنشاق البَخُور عمدًا يُفسد الصوم؛ لأن فيه وصول جِرمٍ إلى الجوف، وأمَّا شمَّه مِنْ غير استنشاقٍ له ولا قصدٍ فلا يفسده؛ لعدم إمكان التحرز عن ذلك.
والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم
هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.