هل ينفع إني أصلي واقف والإمام يصلي قاعد في الفروض؟
الحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وَبَعْدُ...
فقد اتَّفق الفقهاء على أنَّ القيام للمستطيع في الصَّلاة المفروضة فرضٌ، فإذا عجز المصلِّي عن القيام صلَّى قاعدًا، قال الإمام ابن حزمٍ رَحِمَهُ اللهُ: "واتَّفقوا على أنَّ القيام فيها [أي الصَّلاة] فرضٌ لمَن لا عِلَّة به ولا خوفٌ" [مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات، صـ 26، دار الكتب العلميَّة - بيروت].
فإن كان بالإمام عِلَّةٌ تمنعه من القيام في الصَّلاة فالمستحبُّ عند جمهور الفقهاء من السَّادة المالكيَّة والسَّادة الشَّافعيَّة والسَّادة الحنابلة استخلافُ الإمامِ غيرَه لِيؤمَّ المصلِّين قائمًا وهم قائمون. [يُنظر: المدونة، (1/ 174) دار الكتب العلميَّة، بيروت، ط: الأولَى، والحاوي الكبير، (2/ 306)، دار الكتب العلميَّة، بيروت، ط: الأولَى. والمغني، لابن قدامة، (2/ 162)، مكتبة القاهرة].
فإن صلَّى الإمامُ قاعدًا ولم يستخلف، فقد اختلف الفقهاء في صلاة المأمومين خَلْفَه على ثلاثة أقوالٍ:
القول الأوَّل: أنَّه لا تجوز الصَّلاة خلف القاعد بحالٍ من الأحوال. وإليه ذهب الإمام محمَّد بن الحسن رَحِمَهُ اللهُ من الحنفيَّة، والإمام مالك رَحِمَهُ اللهُ في المشهور عنه.
واستدلُّوا على ذلك بالسُّنَّة والمعقول:
فمن السُّنَّة: قول سيِّدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَؤُمَّنَّ رَجُلٌ بَعْدِي جَالِسًا». [مصنَّف عبد الرَّزَّاق الصَّنعانيّ، ح: (4087)، ك: الصَّلاة، ب: هل يؤم الرَّجل جالسًا، (2/ 463). وسنن الدَّارقطنيّ، ح: (1485)، ك: الصَّلاة، ب: صلاة المريض جالسًا بالمأمومين، (2/ 252). وقال الدَّارقطنيُّ: لم يَرْوِهِ غير جابر الجعفيّ، عن الشَّعبيِّ: وهو متروكٌ، والحديث مرسلٌ لا تقوم به حُجَّة].
ووجه الدّلالة من الحديث: أنَّ فيه النَّهي عن صلاة الإمام جالسًا حال كونِهِ يَؤُمُّ قائمين خلفه، لأنَّه لو أمَّ قومًا جالسين جاز اتفاقًا. [يُنظر: بدائع الصَّنائع في ترتيب الشَّرائع، للإمام الكاسانيّ الحنفيّ، (1/ 142)، دار الكتب العلميَّة، ط: الثَّانية].
ومن المعقول: استدلُّوا بأنَّ القيام ركنٌ، فلا يصحُّ ائتمام القادر عليه بالعاجز عنه كسائر الأركان. [يُنظر: المغني، لابن قدامة، (2/ 162)].
قال الإمام السَّرخسيُّ من الحنفيَّة رَحِمَهُ اللهُ: "فأمَّا إذا كان الإمام قاعدًا والمقتدي قائمًا يصحُّ عند أبي حنيفة وأبي يوسف رَحِمَهُمَا اللهُ تَعَالَى استحسانًا، وعند محمَّد رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى لا يصحّ قياسًا". [المبسوط، (1/ 213، 214)، دار المعرفة – بيروت].
قال الإمام ابن رشد الجد رَحِمَهُ اللهُ: "فأجاز إمامة المريض جالسًا بالأصحَّاء قيامًا، وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك، ومنهم من صحّح منها ما دلّ أيضا أنه كان الإمام، إلا أنه رأى ذلك من خواصِّه، فلم يجز لأحد بعده إذا كان مريضًا أن يؤم بالأصحاء قياسًا. وهو المشهور من قول مالك وقول أصحابه". [البيان والتَّحصيل، (1/ 299)، دار الغرب الإسلاميّ، بيروت، ط: الثَّانية. ويُنظر: التَّبصرة، للإمام الخمي (1/ 314)، وزارة الأوقاف والشّؤون الإسلاميَّة- قطر، ط: الأولَى. ويُنظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف، للقاضي عبد الوَّهاب المالكيّ، (1/ 292)، دار ابن حزم، ط: الأولَى، والجامع لمسائل المدونة، لأبي بكر الصِّقلي، (2/ 527)، معهد البحوث العلميَّة وإحياء التُّراث الإسلاميّ - جامعة أمّ القرَى، ط: الأولَى، وشرح التلقين للإمام المازري المالكي، (1/ 674)، دار الغرب الإِسلامي، ط: الأولى، 2008 م].
القول الثَّاني: أنَّ الصَّلاة خلف القاعد جائزةٌ، ويصلِّي المأمومون خلفه قيامًا. وإليه ذهب السَّادة الحنفيَّة، والإمام مالك في روايةٍ عنه، والسَّادة الشَّافعيَّة.
واستدلُّوا على ذلك بالسُّنَّة والمعقول:
فمن السُّنَّة: ما رواه الشَّيخان؛ البخاريّ، ومسلم رَحِمَهُمَا اللهُ عَنْ أم المؤمنين السَّيِّدة عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: لمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ بِلاَلٌ يُوذِنُهُ بِالصَّلاَةِ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ وَإِنَّهُ مَتَى مَا يَقُمْ مَقَامَكَ لاَ يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ، فَقَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ» فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لاَ يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ، قَالَ: «إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ» فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلاَةِ وَجَدَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلاَهُ يَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ، حَتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ، ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي قَاعِدًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلاَةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ مُقْتَدُونَ بِصَلاَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ" [مُتَّفقٌ عليه؛ صحيح البخاريّ، ح: (713)، ك: الأذان، ب: الرَّجل يأتمُّ بالإمام ويأتمُّ النَّاس بالمأموم، (1/ 144). صحيح مسلم، ح: (418)، ك: الصَّلاة، ب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذرٌ من مرضٍ وسفرٍ...، (1/ 311)].
ومن المعقول: استدلُّوا بأنَّ القيام ركنٌ قَدَر عليه، فلم يَجُز له تركه، كسائر الأركان. [يُنظر: المغني، لابن قدامة، (2/ 162)].
جاء في مجمع الأنهر: "(وكذا) يجوز (اقتداء المتوضِئ بالمتيمِّم) ... (والقائم بالقاعد)؛ لأنَّه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «صلَّى آخر صلاته قاعدًا، والقوم خلفه قيام»" [مجمع الأنهر في شرح ملتقَى الأبحر، لِشيخي زاده الحنفي، (1/ 112)، دار إحياء التُّراث العربيّ].
وقال الإمام ابن رشد الجد رَحِمَهُ اللهُ: "فأجاز إمامة المريض جالسًا بالأصحَّاء قيامًا، وهي رواية الوليد بن مسلم عن مالك...". [البيان والتَّحصيل، (1/ 299)].
وقال الإمام النَّوويُّ رَحِمَهُ اللهُ: "قد ذكرنا أنَّ مذهبنا جواز صلاة القائم خلف القاعد العاجز، وأنَّه لا تجوز صلاتهم وراءه قعودًا" [المجموع شرح المهذَّب، (4/ 265)، دار الفكر].
القول الثَّالث: أنَّ الصَّلاة خلف إمامٍ قاعدٍ جائزةٌ، ويصلِّي المأمومون خلفه قعودًا. وإليه ذهب السَّادة الحنابلة.
واستدلُّوا على ذلك من السُّنَّة بما رواه الشَّيخان، البخاريُّ ومسلم رَحِمَهُمَا اللهُ بسندهما عن سيِّدنا أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ " [مُتَّفقٌ عليه؛ صحيح البخاريّ، ح: (734)، ك: الأذان، ب: إيجاب التَّكبير، وافتتاح الصَّلاة، (1/ 147). صحيح مسلم، ح: (417)، ك: الصَّلاة، ب: صلاة النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مرضه وخلفه أبو بكر، (1/ 311)].
واستدلُّوا من المعقول: بأنَّ حالة الإمام أنَّه يصلِّي قاعدًا، فكان على المأمومين متابعتُه، كحال التَّشهُّد. [يُنظر: المغني، لابن قدامة، (2 /163)].
قال الإمام ابن قدامة رَحِمَهُ اللهُ: "قال [أي الإمام الخرقي رَحِمَهُ اللهُ]: (وإذا صلَّى إمام الحيِّ جالسًا صلَّى من وراءه جلوسًا) ... فإن صلَّى بهم قاعدًا جاز، ويصلون مِن ورائه جلوسًا" [المغني، لابن قدامة، (2/ 162)].
والرَّاجح من هذه الأقوال هو القول الثَّاني؛ قول جمهور الفقهاء من السَّادة الحنفيَّة والسَّادة الشَّافعيَّة والسَّادة المالكيَّة في روايةٍ بجواز صلاة الإمام في الفريضة قاعدًا إذا كان لعذرٍ، ويصلِّي المأمومون خَلْفَهُ قيامًا؛ وذلك لقوَّة أدلَّتهم النَّقليَّة والعقليَّة.
وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.
هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.