أحكام الصلاة

أدركت الركعة الثانية مع الإمام وسلمت معه سهوا، فما الذي يجب عليَّ فعله؟

مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف

أدركت الركعة الثانية مع الإمام وسلمت معه سهوا، فما الذي يجب عليَّ فعله؟

إذا أدرك المأموم الركعة الثَّانية مع الإمام، وسلَّمَ معه سهوًا فيجب عليه أنْ يأتي بركعة كاملة ثُمَّ يسجد سجدتين للسهو.

باسم الله، والحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وبعد...

فالصَّلاة صلة بين العبد وربِّه وهي أول ما يحاسب عليها العبد يوم القيامة، إنْ صلحت صلح سائر أعماله، ومِنْ ثَمَّ يجدر بالإنسان أنْ يؤدّيَها على أكمل وجه وأتمِّه؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2]، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». [صحيح البخاري، ح(631)، ك: الأذان، ب: الأذان للمسافر، إذا كانوا جماعة، والإقامة، (1/128)، ت: محمد زهير بن ناصر الناصر، ط: دار طوق النجاة، الأولى، 1422هـ].

والسهو في الصَّلاة لا يبطلها، فقد ثبت أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم سها في صلاته فعن سيدِنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: صلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فزاد أو نقص -قال إبراهيم: والوهْمُ مِنِّي- فقيل: يا رسول الله أَزِيد في الصَّلاة شيء؟ فقال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ، ثُمَّ تَحَوَّلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ». [متّفقٌ عليه: صحيح البخاري، ح: 401، ك:صلاة، ب: التوجه نحو القبلة حيث كان (1/ 89)، وصحيح مسلم، ك: المساجد ومواضع الصلاة، ب: السهو في الصلاة والسجود له، (1/402)، ح (572)، واللفظ لمسلم].

لكن من سها في صلاته عن ركنٍ من أركان الصلاة، فلا بد من الإتيان به بلا خلاف بين الفقهاء.

يقول الإمام الكاساني رحمه الله: "ولو سلَّم مُصَلِّي الظُّهر على رأس الرَّكعتين على ظنِّ أَنَّهُ قد أتمَّهَا، ثُمَّ علم أنَّهُ صلَّى ركعتين، وهو على مكانه يُتِمُّهَا ويسجد للسَّهو، أَمَّا الإتمام فلِأَنَّهُ سلامُ سهوٍ فلا يُخرجه عن الصَّلاة". [بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: الكاساني، (1/164)، ط: دار الكتب العلمية، الثانية، 1406هـ - 1986م].

ويقول الإمام الحطَّاب الرُّعيني المالكي رحمه الله: "وأمَّا إذا ترك فريضةً أو مُستحبًّا أو سُنَّةً غير مُؤَكَّدةٍ أو ترك سُنَّة مُؤَكَّدةً عمدًا... فأمَّا الفرائض فلا بُدَّ مِنَ الإتيان بها...". [مواهب الجليل في شرح مختصر خليل: الحطاب الرُّعيني المالكي، (2/15)، ط: دار الفكر، الثالثة، 1412هـ - 1992م ].

ويقول الإمام الصاوي المالكي رحمه الله: "كترك ركن سهوًا وطال زمن الترك فتبطل، وأما عمدًا فتبطل بمجرد الترك وإذا لم يطل تداركه بأنْ يأتي به على الوجه الآتي بيانه إن لم يسلِّم معتقدًا التمام، وإذا كان الترك مِنَ الركعة الأخيرة، فإِنْ كان المتروك الفاتحة انتصب قائمًا فيقرؤها ثُمَّ يتمُّ ركعته، وإنْ كان الركوع رجع قائمًا ثُمَّ يركع، وإنْ كان الرَّفع منه رجع محدودبًا، فإذا وصل حد الركوع اطمأن، ثُمَّ يرفع ويتم ركعته ويسجد بعد السلام، وإنْ كان السجود سجد وهو جالس، وأعاد التشهد وسلَّم، ثُمَّ يسجد بعده للزيادة ما لم يكن معه نقص تقدَّم وإلَّا فقبله، فإِن سلَّمَ مِنَ الأخيرة معتقدًا كمال صلاته، ثُمَّ تذكَّر ترك الركن منها فات التَّدارك، واستأنف ركعة بدلها إذا لم يطل، فإِن طال بطلت صلاته، فلو سلَّم مِنْ غير الأخيرة ساهيًا لم يفت تداركه؛ بل يتداركه به على الوجه الآتي ما لم يعقد ركوعًا مِنَ التي تليها، أو يتداركه مِنْ غير الأخيرة إنْ لم يعقد ركوعًا مِنْ ركعة تلي ركعة النَّقص إذا كان الترك مِنْ غيرها. وقولنا في الأولى: مِنَ الأخيرة وفي هذه مِنْ غيرها تقييد لإطلاقه، والأوضح لو قلنا: وتداركه مِنَ الأخيرة إنْ لم يُسلِّم، ومِنْ غيرها إنْ لم يعقد ركوع الَّتي تليها". [بلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك المعروف بحاشية الصاوي على الشرح الصغير: أحمد بن محمد الصاوي المالكي، (1/140-141)، ط: مصطفى البابي الحلبي، 1372 هـ - 1952م].

يقول الإمام الخطيب الشربيني رحمه الله: "فالأوَّل مِن السَّببين وهو ترك مأمور به إن كان ركنًا وجب تدارُكُهُ بفعله ولا يُغْنِي عنه السُّجُود؛ لِأنَّ حقيقة الصَّلاة لا توجد بدونه". [مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج: الخطيب الشربيني الشافعي، (1/427)، ط: دار الكتب العلمية، الأولى، 1415هـ - 1994م].

وقال الإمام ابن مفلح الحنبلي رحمه الله: "وإن سلَّمَ قبل إتمام صلاته عمدًا أبطلها؛ لأنَّه تكلَّم فيها، والباقي منها إمَّا ركن أو واجب، وكلاهما تبطل الصلاة بتركه عمدًا، وإن كان السَّلام سهوًا لم تبطل به رواية واحدة، قاله في "المغني" لأنَّه عليه السلام هو وأصحابه فعلوه، وبنَوا على صلاتهم، لأنَّ جِنسه مشروع فيها، أشبه الزيادة فيها مِن جنسها، ثُمَّ ذكر قريبا أتمَّها زاد غير واحد، وإنْ انحرف عن القبلة، أو خرج من المسجد، نصَّ عليه (وسجد)... لكن إنْ لم يذكر حتَّى قام فعليه أنْ يجلس لينهض إلى الإتيان بما بقي عليه مِنْ جلوس، لأنَّ هذا القيام واجب للصلاة، فلزمه الإتيان به مع النية، وشرط الإتمام استمرار الطهارة، فلو أحدث استأنفها، فإِنْ طال الفصل بطلت في قول الجمهور، لِأنَّها صلاة واحدة، فلم يجز بناء بعضها على بعض مع طول الفصل، ولتعذر البناء معه، ويرجع فيه إلى العرف، قال في "المغني" و"الشرح": والمقاربة لمثل حاله عليه السَّلام في خبر ذي اليدين إذ لم يرد بتحديده نص، وقيل: قدر ركعة طويلة، قاله القاضي في "الجامع"، وقيل: قدر الصلاة التي هو فيها، وقيل: ما دام في المسجد، لِأنَّه محلُّ للصَّلاة". [المبدع في شرح المقنع: ابن مفلح الحنبلي، (1/455-456)، ط: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الأولى، 1418 هـ - 1997م].

ويقول الإمام ابن مفلح أيضًا: "وأَمَّا النَّقْصُ فمتى ترك رُكنًا، فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى، بطلت الَّتي تركه منه وإنْ ذكره قبل ذلك، عاد فأتى به وبما بعده، وإنْ كان بعد السَّلام، فهو كترك ركعة كاملة". [المبدع في شرح المقنع: ابن مفلح الحنبلي، (1/464-465)، ط: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الأولى، 1418 هـ - 1997م].

واستدلَّ السَّادة الحنابلة على أنَّ المأموم إذا نسي ركن مِنْ أركان الصلاة، وجب عليه أنْ يأتي به ثُمَّ يسجد للسهو بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: عن أبي هريرة، قال: صلَّى بِنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إحدى صلاتي العَشِيِّ - قال ابن سيرين: سمَّاها أبو هريرة ولكن نسيت أنا - قال: فصلَّى بنا ركعتين، ثُمَّ سلَّمَ، فقام إلى خشبةٍ معروضة في المسجد، فاتَّكأ عليها كأنَّهُ غضبان، ووضع يده اليُمْنَى على اليُسْرَى، وشبَّك بين أصابعه، ووضع خدَّهُ الأيمن على ظهر كَفِّه اليُسْرَى، وخرجت السَّرَعَانُ مِنْ أبواب المسجد، فقالوا: قَصُرَتِ الصَّلاة؟ وفي القوم أبو بكر وعمر، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وفي القوم رجُلٌ في يديهِ طُولٌ، يُقالُ له: ذُو اليَدَيْنِ، قال: يا رسول الله، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلاَةُ؟ قال: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ» فَقَالَ: «أَكَمَا يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ» فَقَالُوا: نَعَمْ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ: ثُمَّ سَلَّمَ؟ فَيَقُولُ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ. [صحيح البخاري، ك: الصلاة ، ب: تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، (1/103)، ح(482)، ت: محمد زهير بن ناصر الناصر، ط: دار طوق النجاة، الأولى، 1422هـ].

ومن خلال ما سبق يمكن القول: إذا أدرك المأموم الرَّكعة الثَّانية مع الإمام، وسلَّمَ معه سهوًا فيجب عليه أنْ يأتي بركعة كاملة ثُمَّ يسجد سجدتين للسَّهو. والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم

هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.