زوجتي لا تصلي، وعندما يحدث جماع بيننا لا تتطهر، فهل تحل لي؟ وماذا أفعل معها؟
بِاسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدُ...
فمن المقرر شرعًا أنَّ الصّلاة من الفروض التي ألزم الله عزّ وجلّ بها عباده في الكتاب والسٌّنَّة، يقول تعالى في كتابه الكريم: {إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [سورة النساء: 103]، وورد عن سيدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرضيتها، فيقول: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ الله عَلَى عِبَادِهِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ وَقَدْ أَكْمَلَهُنَّ وَلَمْ يَنْتَقِصْهُنَّ اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ وَقَدِ انْتَقَصَهُنَّ اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ رَحِمَهُ» [صحيح ابن حبان، ك: الصلاة، ب: فضل الصلوات الخمس- ذِكْرُ الْبَيَانِ بِأَنَّ الْحَقَّ الَّذِي فِي هَذَا الْخَبَرِ قُصِدَ بِهِ الْإِيجَابُ، (5/ 23)، ح: (1732)، وهو حديث صحيح، ينظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري: (12 / 209)].
وقد اتفق علماء الشّريعة الإسلاميّة على أنَّ من ترك الصّلاة إنكارًا وجحودًا بها فقد كفر وخرج بذلك من الملِّة؛ لإنكاره معلومًا من الدين بالضرورة، واستُثنى من ذلك قريب العهد بالإسلام إن لم يمكث في الإسلام فترة يتبيّن فيها فرضية الصّلاة، أو نشأ ببادية بعيدة يُصعب عليه فيها معرفة أحكام الإسلام. [ينظر: الشرح الكبير على متن المقنع، (10/ 75)، ط: دار الكتاب العربي، وينظر: بداية المحتاج في شرح المنهاج (1/ 431)].
أمَّا إن ترك المسلم أو المسلمة الصّلاة تكاسلًا مع إقرارهما بفرضيتها ووجوبها؛ فقد اختلف الفقهاء في الحكم على قولين:
القول الأول: أنّ منْ ترك الصّلاة تكاسلًا عنها دون الإنكار لفرضيتها، فهو مسلم عاصٍ ولا يخرج بذلك من الملِّة، وهو قول جمهور الفقهاء من السّادة الحنفيّة، والسّادة المالكيّة، والسّادة الشّافعيّة. [ينظر: اللباب في الجمع بين السنة والكتاب، لجمال الدين أبو محمد علي بن أبي يحيى، (1/ 155)، ط: دار القلم - سوريا- شرح التلقين، لمحمد بن علي المازري، (1/ 370)، ط: دار الغرب الإِسلامي- كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار، للإمام الحصني، ص: (497)، ط: دار الخير – دمشق].
القول الثاني: أنّ من ترك الصّلاة جحودًا لها أو تكاسلًا عنها أو تهاونًا، ثم دعاه الإمام أو نائبه لفعلها وأَبَىَ حتى ضاق وقت الصّلاة التي بعدها صار كافرًا، وهو قول الإمام عليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ وعبد الله بن المبَارك، وإِسْحَاق بن راهويه، وهو أصح الروايتين عن الإمام أحمد. [ينظر: دقائق أولي النهى لشرح المنتهى، للإمام البهوتي، (1/ 128) ، ط: عالم الكتب، الطبعة: الأولى، 1414هـ].
والرّاجح: هو قول جمهور الفقهاء بأنّ المسلم أو المسلمة التّاركين للصّلاة كسلًا مع إقرارهما بوجوبها هما مسلمين عاصيين، ولا يخرجا بمعصيتهما من دائرة الإسلام. وللتفصيل ينظر الفتوى رقم: (5325).
ومن المعلوم أيضًا أنَّ المداومة على الطَّهارة من أكثر القربات الَّتي تصل بصاحبها إلى الجنَّة؛ فقد ورد عن سيِّدنا عَبْدِ اللهِ بن بُرَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا بِلَالًا فَقَالَ: «يَا بِلَالُ بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الجَنَّةِ؟ مَا دَخَلْتُ الجَنَّةَ قَطُّ إِلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي، دَخَلْتُ البَارِحَةَ الجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي...» وفيه: فَقَالَ بِلَالٌ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَذَّنْتُ قَطُّ إِلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَمَا أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ إِلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهَا وَرَأَيْتُ أَنَّ للهِ عَلَيَّ رَكْعَتَيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بِهِمَا» [سنن التِّرمذيِّ، تح: الشَّيخ شاكر، ح: (3689)، أبواب المناقب، بابٌ في مناقب أبي حفصٍ عمر بن الخطَّاب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، (5/ 620)، قال الإمام التِّرمذيُّ: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ"].
ولذلك: فيُستحبُّ للمسلم والمسلمة إذا أجنبا أن يُسارعا ويُبادرا إلى الغسل، ولا يجب عليهما الغسل على الفور إلَّا إذا تعيَّن وقت الصَّلاة، بأن يكون الوقت المتبقي على خروج وقت الصَّلاة يكفي فقط الغسل وأداء الصَّلاة- عندها يجب عليهما الغسل-، أو أرادا فعل ما لا يصحُّ إلَّا بالطَّهارة كقراءة القرآن. [ينظر: البحر الرَّائق، (1/ 63)، دار الكتاب الإسلاميّ- شرح النَّوويّ على صحيح مسلم، (3/ 219)، دار إحياء التُّراث العربيّ – بيروت]. وللمزيد من التفصيل يمكنكم الاطلاع على فتوى رقم: (2106).
ومما سبق، وفي وقعة السؤال: فإذا كانت الزوجة تاركة للصلاة بغير جحود وإنكارٍ فهي مسلمة عاصية، وعلى الزوج أن يدعوها إلى الصّلاة بالحكمة والموعظة الحسنة، كما أمر الله تعالى بذلك في كتابه الكريم: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125]، ومثل ذلك في طهارتها بعد الجماع، فإن كانت لا تعلم من أمر دينها شيء علّمها، ودعاها إلى منْ يُبصرها بمعرفة أحكام الإسلام، وإن كانت عالمة بأحكام الإسلام ولكن لا تفعلها تكاسلًا منها، سلكت معها طريق الصبر والدعوة بالحسنى، فإن لم يتيسر له ذلك، أو تيسر ولكن لم تثمر أقواله نتيجة، فيمكنه التواصل حينئذ مع مركز الأزهر للفتوى، ومتابعة حالته مع وحدة (لم الشمل) للجلوس معه، وتعريفه بأحكام الإسلام، ويمكن التواصل على الرقم: (19906).
وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.
هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.