بِاسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدُ...
فقد اتَّفق الفقهاء في الغُسل على فرضيَّة تعميمُ الجسدِ كلِّه بالماء، فهو ركنٌ من أركان الغسل، ومع اتِّفاقهم في فرضيَّة تعميم الجسد بالماء في الغسل إلَّا أنَّهم اختلفوا في أمورٍ أخرَى، منها: حكم المضمضة والاستنشاق. وقد بيَّنَّا كيفيَّة المضمضة والاستنشاق في الفتوى رقم: (3324).
وقد اختلف الفقهاء في حكم المضمضة والاستنشاق في الغسل على ثلاثة أقوالٍ:
القول الأوَّل: المضمضة والاستنشاق من واجبات الغسل وفرائضه؛ فلا يجوز تركهما ولا يصحُّ الغسل بدونهما. وهو قول السَّادة الحنفيَّة ومشهور مذهب السَّادة الحنابلة.
وقد استدلَّوا على ذلك بأدلَّةٍ، منها: قوله تَعَالَى {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَرُوْا}[المائدة: 6]. فكأنَّه قال: طهِّروا أبدانكم، فيُفيد كلَّ ما أمكن غسله من البدن، والفم والأنف ممَّا يمكن غسله وإيصال الماء إليه بلا مشقةٍ ولا حرجٍ؛ فيجب غسلهما [يُنظر: التَّجريد، للقدوريِّ، (1/ 108)، عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ، (3/ 194)، بدائع الصَّنائع في ترتيب الشَّرائع، (1/ 34)، المبدع في شرح المقنع، (1/ 126). ويُنظر: المغني، (1/ 88)].
القول الثَّاني: الاستنشاق وحده واجبٌ من واجبات الغُسل، دون المضمضة. وهو روايةٌ عن الإمام أحمد رَحِمَهُ اللهُ.
استدلَّ القائلون بهذا القول بأدلَّةٍ، منها: قول النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «... وَإِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلِيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ» [مُتَّفقٌ عليه: صحيح البخاريّ، ح: (162)، صحيح مسلم، ح: (237)، واللَّفظ لمسلم].
والأمر يقتضي الوجوب، وإذا ثبت ذلك في الوضوء ففي الغُسل أولَى. [المبدع في شرح المقنع، (1/ 100)، ويُنظر: المغني، (1/ 88). والمبدع في شرح المقنع، (1/ 100)].
القول الثَّالث: المضمضة والاستنشاق سُنَّتان مُستحبَّتان في الغسل؛ يصحُّ الغُسل دون الإتيان بهما. وهو قول السَّادة المالكيَّة، والشَّافعيَّة، وروايةٌ عند الحنابلة.
واستدلُّوا على ذلك: بقول رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للسَّيِّدة أمِّ سلمة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: «... إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» [صحيح مسلم، ح: (330)].
فأخبرسيِّدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ الإجزاء والاكتفاء في الغسل يقع بما ذكره من غير مضمضةٍ واستنشاقٍ. [يُنظر: عيون الأدلَّة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار، لابن القصَّار، (1/ 161)، وشرح التَّلقين للمازري، (1 /212)].
* كما عللٌّوا لقولهم: بأنَّ أعضاء البدن الباطنة غير الظَّاهرة مثل الأنف والفم والأُذُنين دونها حائلٌ معتادٌ، فلم يجب غَسلها كالعين [يُنظر: البيان، للعمرانيِّ، (1/ 113)، دار المنهاج- جدة، ط: الأولَى].
قال الإمام الحطَّاب رَحِمَهُ اللهُ: "وأمَّا المضمضة والاستنشاق فليستا واجبتين، وإنمَّا هما سنَّتان" [مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، (1/ 305)، ويُنظر: تحفة المحتاج في شرح المنهاج، (1/ 276)، والإنصاف في معرفة الرَّاجح من الخلاف، (1/ 153)].
والرَّاجح أنَّ المضمضة والاستنشاق سُنَّتان مُستحبَّتان في الغُسل، وليستا بواجبتين، وهو ما عليه أكثر الفقهاء.
وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.