بِاسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدُ...
فإنَّه يُستحب للمسلم أن يحرص على المسارعة إلى الغُسل من الجنابة، ويُداوم على الطَّهارة قدر طاقته واستطاعته؛ لأنَّ الله تَعَالَى قد أثنَى على المتطهِّرين وامتدحهم، فقال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222].
وقد اتَّفق الفقهاء على أنَّه لا يجب على المسلم أن يغتسل على الفَور من الجنابة إلَّا إذا تعيَّن وقت صلاةٍ أو أراد فعل ما لا يصحُّ إلَّا بالغُسل؛ فحينئذٍ يجب عليه الغُسل على الفور، ولا يؤخِّره لئلا يقع في إثم تأخير العبادة عن وقتها.
والأصل في ذلك، قول اللهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6].
وقد استدلُّ الفقهاء على أنَّه لا يجب على المسلم الاغتسال على الفَور من الجنابة بأدلَّةٍ، منها:
* ما جاء عن سيِّدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ المَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ، قال: فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ» قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّ المُسْلِمَ لاَ يَنْجُسُ» [مُتَّفقٌ عليه: صحيح البخاريّ، ح: (283)، صحيح مسلم، ح: (372)].
* وما جاء عن سيِّدنا ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ عُمَرَ بن الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ» [مُتَّفقٌ عليه: صحيح البخاريّ، ح: (287)، صحيح مسلم، ح: (306)].
ويُبيِّن الإمام ابن رجب رَحِمَهُ اللهُ وجه الدّلالة من الحديث، فيقول: "جواز تأخير الغسل من الجنابة لغير الضَّرورة، وإن الجنب كانَ في بيته، وإن نام في بيته وهو جنب، ولكنَّه إذا أراد النَّوم فإنَّه يُستحب أن يتوضأ" [فتح الباري، (1/ 349)، مكتبة الغرباء الأثريَّة - المدينة النَّبويَّة].
وقال الإمام النَّوويُّ رَحِمَهُ اللهُ: "وفي هذه الأحاديث المذكورة في الباب أنَّ غُسلَ الجنابة ليس على الفور، وإنَّما يتضيَّق على الإنسان عند القيام إلى الصَّلاة وهذا بإجماع المسلمين" [شرح النَّوويّ على صحيح مسلم، (3 /219)].
وبِناءً على ما سبق: يُستحبُّ للمسلم إذا أجنب أن يُسارع ويُبادر إلى الغسل، ولا يجب عليه الغسل على الفور إلَّا إذا تعيَّن وقت الصَّلاة بأن يكون الوقت المتبقي على خروج وقت الصَّلاة يكفي فقط الغسل وأداء الصَّلاة- عندها يجب عليه الغسل-، أو أراد فعل ما لا يصحُّ إلَّا بالطَّهارة كقراءة القرآن.
ولمعرفة الكيفيَّة الصَّحيحة الكاملة للغسل؛ يمكنكم الاطلاع على الفتوى رقم: (154).
وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.