بِاسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ، وعلى آله، وصحبه، ومن والاه، وَبَعْدُ...
فللنِّيَّة مكانةٌ عظيمةٌ، ومنزلةٌ جليلةٌ في الشَّرع الشَّريف؛ فهي روح العِبادة وجوهرها، وبها يحدد الإنسان مقصده وغايته، يقول سيِّدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [متَّفقٌ عليه: صحيح البخاري، ح: (1)- صحيح مسلم، ح: (1907)].
والنِّيَّة في اللُّغة قصد الشَّيء وإرادته [يُنظر: مقاييس اللُّغة، (5 /366)، مادة: نوَى]، وهي انبعاث القلب نحو ما يراه الإنسان موافقًا لجلب النَّفع له، أو دفع الضُّر عنه، في الحال، أو المآل. يُنظر: [فتح الباري، (1/ 13)]. وقد عرَّفها القاضي البيضاويُّ رَحِمَهُ اللهُ بأنَّها: "الإرادة المتوجِّهة نحو الفعل ابتغاءً لوجه الله تَعَالَى، وامتثالًا لحكمه". يُنظر: [الأشباه والنَّظائر، ص: (25)].
هذا؛ وقد اختلف الفقهاء في اشتراط النِّيَّة في الغسل على قولين:
القول الأوَّل: النِّيَّةَ سُنَّةٌ من سنن الغسل، وليست بفرضٍ من فرائضه ولا بشَرطٍ من شروط صحَّته. وهذا مذهب السَّادة الحنفيَّة.
واستدلُّوا على ذلك بأدلَّةٍ، منها:
* قول الله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6].
ويُبيِّن الإمام السَّرخسيُّ رَحِمَهُ اللهُ وجه الاستدلال بالآية، فيقول: "فيها- أي الآية- تنصيصٌ على الغُسل، والمسح، وذلك يتحقَّق بدون النِّيَّة، فاشتراط النِّيَّة يكون زيادةً على النَّصِّ؛ إذ ليس في اللَّفظ المنصوص ما يدلُّ على النِّيَّة، والزِّيادة لا تثبت بخبر الواحد، ولا بالقياس، بخلاف التَّيمُّم، فإنَّه عبارة عن القصد لغةً، قال الله تَعَالَى {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة: 267]، ففي اللَّفظ ما يدلُّ على اشتراط النِّيَّة فيه" [المبسوط، (1 /72)].
يقول الإمام أبو جعفر الطَّحاويُّ رَحِمَهُ اللهُ: "والطَّهارة بالماء من الأحداث كلِّها بلا نِيَّةٍ جائزةٌ" [شرح مختصر الطَّحاويِّ، (1 /302-303)].
القول الثَّاني: لا يصحُّ الغُسل إلَّا بالنِّيَّة. وهذا مذهب جمهور الفقهاء من: السادة المالكيَّة، والسادة الشَّافعيَّة، والسادة الحنابلة.
واستدلُّوا على ذلك بقول سيِّدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [متَّفقٌ عليه].
ووجه الدّلالة من الحديث: أنَّ المراد من قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» نفي صحَّة العمل، فلا يصح العمل إلَّا بالنِّيَّة. يُنظر: [فتح الباري، (1/ 13)].
فالنِّيَّة- عندهم- لا تخلو: إمَّا أن تكون فرضًا من فرائض الغُسل أو شرطًا لصحَّته.
فيرى السَّادة المالكيَّة والسادة الشَّافعيَّة والظَّاهريَّة أنَّ النِّيَّةَ من فرائضه. يقول الإمام أبو بكر التَّميميُّ الصقلي المالكيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "فالغُسل من الجنابة فريضةٌ، وهو مشتملٌ على مفروضٍ، ومسنونٍ، وفضيلةٍ، فمفروضاته خمس: النِّيَّة، وطهارة الماء، وتعميم جميع الجسد..." [الجامع لمسائل المدونة، (1 /223)]. وينظر: ["كفاية الأخيار في حلِّ غاية الاختصار، ص: (43)"، و" المحلَّى، (1 /94)"].
بينما يرى السَّادة الحنابلة أنَّها شرطٌ لصحَّة الغُسل. يقول الإمام أبو الفرج ابن قدامة رَحِمَهُ اللهُ: "والنِّيَّةُ شَرْطٌ لطهارةِ الحَدَثِ كلِّها: الغُسْلِ، والوُضوءِ، والتَّيَمُّمِ..." [الشَّرح الكبير على متن المقنع، (1 /306-318)].
وبِناءً على ما سبق: فإنَّ النِّيَّة تدور بين الوجوب والاستحباب عند الفقهاء، والمختار للفتوى قول جمهور الفقهاء؛ فيجب استحضار النِّيَّة عند الغُسل، ويكفي في ذلك مجرد القصد والاستحضار بالقلب، ولا يشترط نطقها باللِّسان.
وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.