وأنا أغتسل من الجنابة نسيت المضمضة والاستنشاق فهل غُسلي صحيح ولا أعيد الغسل مرة ثانية؟ شكرًا
بِاسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدُ...
فقد اتَّفق الفقهاء في الغُسل على فرضيَّة تعميمُ الجسدِ كلِّه بالماء، فهو ركنٌ من أركان الغسل، يقول الإمام ابن القطَّان رَحِمَهُ اللهُ: "واتَّفقوا أنَّ إمساس الجلدِ كُلِّه والرَّأس في الغسل بالماء فرضٌ" [الإقناع في مسائل الإجماع، (1/ 99)، تح: حسن فوزي الصَّعيديّ، الفاروق الحديثة للطِّباعة والنَّشر].
ومع اتِّفاقهم في فرضيَّة تعميم الجسد بالماء في الغسل إلَّا أنَّهم اختلفوا في أمورٍ أخرَى، منها: حكم المضمضة والاستنشاق.
والمضمضة: هي تحريك الماء في الفم وضَغْطُه [يُنظر: مقاييس الُّلغة، لابن فارس الرَّازيّ، تح: عبد السلام محمد هارون، (5/272)، مادة/مَضَّ، دار الفكر]. فهي تطهير الفم بالماء، عن طريق تدويره وتحريكه فيه ومَجِّه. والاستنشاق: تطهير الأنف بالماء، وهو الاستنثار، أي جعل الماء في النَّثْرة أي: الأنف [يُنظر: التَّعريفات الفقهيَّة، لمحمَّد عميم الإحسان، صـ 26، دار الكتب العلميَّة، ط: الأولَى]، ويكون باجتذاب الماءِ بالنَّفَسِ إلى باطن الأنف، والسُّنَّة أن يكون بيمينه، ويستنثر بيساره [يُنظر: المبدع في شرح المقنع، لابن مفلح، (1/ 99)، دار الكتب العلميَّة، بيروت]. وقد بيَّنَّا كيفيَّة المضمضة والاستنشاق في الفتوى رقم: 3324
وقد اختلف الفقهاء في حكم المضمضة والاستنشاق في الغسل على ثلاثة أقوالٍ:
القول الأوَّل: المضمضة والاستنشاق من واجبات الغسل وفرائضه؛ فلا يجوز تركهما ولا يصحُّ الغسل بدونهما. وهو قول السَّادة الحنفيَّة ومشهور مذهب السَّادة الحنابلة.
وقد استدلَّ أصحاب هذا القول على ذلك بأدلَّةٍ، منها:
* قوله تَعَالَى {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَرُوْا}[المائدة: 6].
ووجه الدَّلالة من الآية الكريمة: أنَّ البَدن مرادٌ بالاتِّفاق، فكأنَّه قال: طهِّروا أبدانكم، فيُفيد كلَّ ما أمكن غسله من البدن، والفم والأنف ممَّا يمكن غسله وإيصال الماء إليه بلا مشقةٍ ولا حرجٍ؛ فيجب غسلهما [يُنظر: التَّجريد، للقدوريِّ، (1/108)، دار السَّلام، ط: الثَّانية].
* ومنها ما ورد عن سيِّدنا ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: «وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاءً لِلْغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ» [صحيح البخاريّ، ح: (257)، ك: الغُسل، ب: الغُسل مرَّةً واحدةً، (1/ 60)].
ويُبيِّن الإمام بدر الدِّين العينيُّ رَحِمَهُ اللهُ وجه الدّلالة من الأحاديث الَّتي ذكرت المضمضة والاستنشاق في الغسل، فيقول: "وفيها: مشروعيَّة المضمضة والاستنشاق في غسل الجنابة. وقال بعضهم: وتمسَّك الحنفيَّة للقول: بوجوبهما، وتُعُقِّب بأن الفعل المُجرَّد لا يدلُّ على الوجوب إلَّا إذا كان بيانًا لمجملٍ تعلَّق به الوجوب، وليس الأمر هنا كذلك. قلت: ليس الأمر هنا كذلك لأنَّهم إنَّما أوجبوهما في الغسل بالنَّصِّ؛ لقوله تَعَالَى: {وَإِن كُنْتُم جنبا فاطهروا} [سورة المائدة: 6] أي: طهِّروا أبدانكم، وهذا يشمل الأنف والفم" [عمدة القاري شرح صحيح البخاريّ، (3/ 194)، دار إحياء التَّراث العربيّ – بيروت].
* ومنها ما رُويَ عن سيِّدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعَرَةٍ جَنَابَةً فَاغْسِلُوا الشَّعرَ، وَأَنْقُوا الْبَشرَةَ» [سنن أبي داود، ح(248)، ك: الطَّهارة، ب: الغسل من الجنابة، (1/ 180)، دار الرِّسالة، ط: الأولى. قال أبو داود رَحِمَهُ اللهُ: "هو ضعيفٌ"].
ويوضِّح الإمام بدر الدِّين العينيُّ رَحِمَهُ اللهُ وجه الدّلالة؛ فيقول: "قوله: «البَشرَة» وهي ظاهر الجلد ... وبهذا احتجَّ أبو حنيفة على أنَّ المضمضة والاستنشاق فرضان في الجنابة". ثمَّ يقول: "الَّذي احتجَّ بفرضية الاستنشاق من الجنابة استدلَّ بقوله عليه السِّلام: «إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعَرَةٍ جَنَابَةً»، وفي الأنف شعور، وأمَّا المضمضة فلأنَّ الفم من ظاهر البدن" [شرح أبي داود، تح: أبو المنذر خالد المصريّ، (1/ 550، 551)، مكتبة الرّشد – الرِّياض، ط: الأولَى].
نجد هذا الحكم واضحًا عند فقهاء السَّادة الحنفيَّة؛ حيث يقول الإمام الكاسانيُّ الحنفيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "وأمَّا ركنُهُ- أي الغُسل- فهو إسالةُ الماءِ على جميع ما يمكن إسالتُهُ عليه من البدن من غير حرجٍ مرَّةً واحدةً حتَّى لو بقيتْ لمُعَةٌ لم يُصبْها الماءُ لم يجُزْ الغُسلُ، وإن كانت يسيرةً؛ لقوله تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6]، أي: طهِّروا أبدانكم، واسم البدن يقع على الظَّاهر والباطن، فيجب تطهير ما يمكن تطهيرُه منه بلا حرجٍ، ولهذا وجبت المضمضةُ والاستنشاقُ في الغُسل؛ لأنَّ إيصال الماء إلى داخل الفم والأنف ممكنٌ بلا حرجٍ" [بدائع الصَّنائع في ترتيب الشَّرائع، (1/ 34)، دار الكتب العلميَّة، ط: الثَّانية].
ويُبيِّن الإمام ابن قدامة رَحِمَهُ اللهُ أنَّ وجوب المضمضة والاستنشاق في الغسل هو مشهور مذهب السَّادة الحنابلة؛ فيقول: " المضمضة والاستنشاق واجبان في الطَّهارتين الغسل والوضوء جميعًا؛ لأنَّ غسل الوجه فيهما واجبٌ وهما من الوجه. هذا المشهور في المذهب وهو قول ابن المبارك وابن أبي ليلى وإسحاق" [المبدع في شرح المقنع، (1/ 126)، دار الكتب العلميَّة، بيروت، ط: الأولَى. ويُنظر: المغني، (1/ 88)، مكتبة القاهرة].
القول الثَّاني: الاستنشاق وحده واجبٌ من واجبات الغُسل، دون المضمضة. وهو روايةٌ عن الإمام أحمد رَحِمَهُ اللهُ.
استدلَّ القائلون بهذا القول بأدلَّةٍ، منها:
* ما ورد عن سَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «... وَإِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلِيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ» [مُتَّفقٌ عليه: صحيح البخاريّ، ح: (162)، ك: الوضوء، ب: الاستجمار وِتْرًا، (1/ 43). صحيح مسلم، ح: (237)، ك: الطَّهارة، ب: الإيتار في الاسْتِنْثَارِ والاسْتِجْمَارِ، (1/ 212)، واللَّفظ له].
ووجه الدّلالة من هذا الحديث عند القائلين بهذا الحكم: أنَّ قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَلِيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ» أمرٌ، والأمر يقتضي الوجوب، يقول الإمام ابن مفلح رَحِمَهُ اللهُ: "وإذا ثبت ذلك في الوضوء ففي الغُسل أولَى " [المبدع في شرح المقنع، (1/ 100)].
* كما استدلُّوا على ما ذهبوا إليه بالمعقول: فبيَّنوا أنَّ الأنف يجب غَسله؛ لأنَّه مفتوحٌ لا غطاء يستره، بخلاف الفم [يُنظر: المغني، (1/ 88). والمبدع في شرح المقنع، (1/ 100)].
القول الثَّالث: المضمضة والاستنشاق ليستا من فرائض الغسل أو واجباته، إنَّما هما سُنَّتان مُستحبَّتان فيه؛ يصحُّ الغُسل بدون الإتيان بهما. وهو قول السَّادة المالكيَّة، والشَّافعيَّة، وروايةٌ عند الحنابلة.
وهؤلاء استدلُّوا على ذلك بـ:
* ما ورد عن أمِّ المؤمنين السَّيِّدة أمِّ سلمة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أنَّها قالت للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنِّي امرأةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رأسي، فما أصنع في الجَنابة؟ فقال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا؛ إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» [صحيح مسلم، ح: (330)، ك: الحيض، ب: حكم ضفائر المغتسلة، (1/ 259)].
ووجه الدَّلالة من الحديث: إخبار سيِّدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنَّ الإجزاء والاكتفاء في الغسل يقع بما ذكره من غير مضمضةٍ واستنشاقٍ، فمن قال: لا تقع الكفاية والإجزاء بذلك فقد خالف الظَّاهر، ولم يأمر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالمضمضة والاستنشاق مع قصده بهذا الحديث التَّعليم، والتَّعليم يُستقصَى فيه البيان [يُنظر: عيون الأدلَّة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار، لابن القصَّار، (1/161)، مكتبة الملك فهد، الرِّياض. وشرح التَّلقين للمازري، (1/212)، دار الغرب الإسلاميّ، ط: الأولَى].
* كما عللٌّوا لقولهم: بأنَّه عضوٌ باطنٌ دونه حائل معتاد؛ فلم يجب غَسلها كالعين [يُنظر: البيان، للعمرانيِّ، (1/113)، دار المنهاج- جدة، ط: الأولَى].
وقد نصَّ فقهاء السَّادة المالكيِّة على سنِّيَّة المضمضة والاستنشاق وعدم وجوبهما في الغسل؛ يقول الإمام الحطَّاب رَحِمَهُ اللهُ: "وأمَّا المضمضة والاستنشاق فليستا واجبتين، وإنمَّا هما سنَّتان" [مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، (1/ 305)، دار الفكر، ط: الثَّالثة].
وهذا أيضًا ما نصَّ عليه السَّادة الشَّافعيَّة؛ يقول الإمام ابن حجر الهيتميُّ رَحِمَهُ اللهُ: "ولا تجب مضمضةٌ واستنشاقٌ" [تحفة المحتاج في شرح المنهاج، (1/ 276)، المكتبة التُّجاريَّة].
وما ذهب إليه السَّادة المالكيَّة والشَّافعيَّة، ذهب إليه الإمام أحمد في روايةٍ عنه؛ يقول المرداويُّ رَحِمَهُ اللهُ: "وعنه هما سُنَّةٌ مُطلقًا" [الإنصاف في معرفة الرَّاجح من الخلاف، (1/ 153(، دار إحياء التُّراث العربيّ، ط: الثَّانية].
وبِناءً على ما سبق: فالرَّاجح أنَّ المضمضة والاستنشاق سُنَّتان مُستحبَّتان في الغُسل، وليستا بواجبتين، وهو ما عليه أكثر الفقهاء؛ وذلك للحديث الوارد عن أمِّ المؤمنين السَّيِّدة أمِّ سلمة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا المذكور، فقد أخبر سيِّدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما يجزئ في الغُسل، ولم يأمر بالمضمضة والاستنشاق مع قصده بهذا الحديث التَّعليم، والتَّعليم يُستقصَى فيه البيان، يقول الإمام البهوتيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "وهذا صريحٌ في نفي الوجوب" [كشاف القناع عن متن الإقناع، (1/ 154)، دار الكتب العلميَّة].
وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.
هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.