ما حكم قراءة القرآن الكريم من التابلت (الكمبيوتر اللوحي) في مدة الحيض؟
بِاسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدُ...
فالحيض هو نزول الدَّم من رَحِم المرأةِ في فترةٍ معيَّنةٍ من كلِّ شهرٍ في غير مرضٍ ولا صِغَر [يُنظر: التَّعريفات، للجرجاني، صـ: 94، دار الكتب العلميَّة بيروت، ط: الأولَى].
وهو شيءٌ قد كتبه الله تَعَالَى على النِّساء في أصل خلقتها، وهو مِن كمال أنوثتها، قال صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ» [مُتَّفقٌ عليه: صحيح البخاريِّ، ح: (305)، ك: الحيض، ب: تقضي الحائض المناسك كلَّها إلَّا الطَّواف، (1/ 68). صحيح مسلم، ح: (1211)، ك: الحجّ، ب: بيان وجوه الإحرام...، (2/ 873)، والَّلفظ له].
وقد حرَّم الشَّرع الشَّريف على المرأة أثناء فترة الحيض بعض الأشياء، اتَّفق الفقهاء على أكثرها، واختلفوا في بعضها، وممَّا اختلفوا فيه: حكم قراءة القرآن الكريم للحائض.
فقد ذهب جمهور الفقهاء من السَّادة الحنفيَّة، والسَّادة الشَّافعيَّة، والمعتمَد عند السَّادة الحنابلة إلى أنَّه لا يجوز للمرأة أن تقرأ القرآن أثناء الحيض إلَّا ما يخرج منها على سبيل الذِّكر كالدُّعاء ونحوه.
يقول الإمام السَّرخسيُّ الحنفيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "وأمَّا الأحكام الَّتي تتعلَّق بالحيض عشرة أو أكثر: منها أنَّ الحائض لا تقرأ القرآن" [المبسوط، (3/152)، دار المعرفة- بيروت].
ويقول الإمام النَّوويُّ الشَّافعيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "في مذاهب العلماء في قراءة الحائض القرآن قد ذكرنا أنَّ مذهبنا المشهور تحريمها، وهو مرويٌّ عن عمر وعليٍّ وجابرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، وبه قال الحسن البصريُّ وقتادة وعطاء وأبو العالية والنَّخعيُّ وسعيد بن جبير والزُّهريُّ وإسحق وأبو ثور" [المجموع شرح المهذَّب، (2/357)، دار الفكر].
ويقول الإمام البهوتيُّ الحنبليُّ رَحِمَهُ اللهُ: "ويَمنع الحيضُ خمسةَ عشر شيئًا بالاستقراء، أحدها: قراءة القرآن" [كشاف القناع عن متن الإقناع، (1/197)، دار الكتب العلميَّة].
واستدلُّوا على ذلك بأدلَّةٍ، منها:
* ما روي عن سيِّدنا ابن عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قال: «لَا تَقْرَأِ الحَائِضُ، وَلَا الجُنُبُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ» [سنن التِّرمذيِّ، تح: بشَّار عوَّاد، ح: (131)، ك: الطَّهارة، ب: ما جاء في الجنب والحائض...، (1/ 194). وضعَّفه الإمام التِّرمذيُّ وغيره].
ويُستدلُّ بهذا الحديث على أنَّه لا يجوز للجُنُب ولا للحائض قراءة شيءٍ من القرآن قليلًا كان أو كثيرًا [تحفة الأحوذي بشرح جامع التِّرمذيِّ، للمباركفوري، (1/346)، دار الكتب العلميَّة – بيروت].
* وما ورد عن أمِّ المؤمنين السَّيِّدةِ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قالت: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ القُرْآنَ وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ» [صحيح البخاريِّ، ح: (7549)، ك: الحيض، ب: قراءة الرَّجل في حجر امرأته وهي حائض، (9/ 159)].
ووجه الدّلالة بهذا الحديث: وضع سيِّدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ رأسه في حجر السَّيِّدة عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وهي حائض؛ ففي هذا الفعل إشارةٌ إلى أنَّ الحائض لا تقرأ القرآن؛ لأنَّ قراءتها لو كانت جائزةً لما تُوهِّم امتناع القراءة في حجرها حتَّى احتيج إلى التَّنصيص عليها [يُنظر: فتح الباري، للإمام ابن حجر، (1/ 402)، دار المعرفة- بيروت].
كما استدلُّوا على ما ذهبوا إليه بالقياس: حيث قاسوا حال الحائض على الجُنُب؛ بجامع أنَّ كلًّا منهما يجب عليه الغسل، والجُنُب ممنوع من قراءة القرآن فكذا الحائض؛ ففي الحديث الَّذي أخرجه الإمام التِّرمذيُّ رَحِمَهُ اللهُ في سننه عن سيِّدنا عليٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُقْرِئُنَا القُرْآنَ عَلَى كُلِّ حَالٍ مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا» [سنن التِّرمذيِّ، تح: بشَّار عوَّاد، ح: (146)، ك: الطَّهارة، ب: في الرَّجل يقرأ القرآن على كلِّ حال ما لم يكن جُنُبًا، (1/ 214). وقال: حسنٌ صحيحٌ].
بينما ذهب السَّادة المالكيَّة والسَّادة الظَّاهريَّة إلى جواز قراءة الحائض للقرآن، وهو قولٌ عند السَّادة الحنابلة.
قال الشَّيخ عليش المالكيُّ رَحِمَهُ اللهُ عن الحيض: "ولا يَمنعُ القراءةَ بلا مسِّ مصحفٍ" [منح الجليل شرح مختصر خليل، (1/176)، دار الفكر – بيروت].
ويقول الإمام ابن حزم الظَّاهريُّ رَحِمَهُ اللهُ: "وقراءةُ القرآن والسُّجودُ فيه ومسُّ المصحف وذِكر الله تَعَالَى جائزٌ، كلُّ ذلك بوضوءٍ وبغيرِ وضوءٍ وللجُنُب والحائض؛ برهان ذلك أنَّ قراءةَ القرآنِ والسُّجودَ فيه ومسَّ المصحفِ وذِكرَ الله تَعَالَى أفعالُ خيرٍ مندوبٌ إليها مأجورٌ فاعلها، فمَن ادَّعَى المنع فيها في بعض الأحوال كُلِّفَ أن يأتيَ بالبرهان" [المحلَّى بالآثار، (1/95)، دار الفكر - بيروت].
وقال الإمام المرداويُّ الحنبليُّ رَحِمَهُ اللهُ: "وقيل: لا تُمنع الحائضُ مِن قراءة القرآن مطلقًا" [الإنصاف في معرفة الرَّاجح من الخلاف، (1/243)، دار إحياء التُّراث العربيّ، ط: الثَّانية].
واستدلُّوا بالحديث الَّذي ورد عن أمِّ المؤمنين السَّيِّدةِ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أنَّها قالت: قَدِمتُ مكَّة وأنا حائضٌ، ولم أطُف بالبيت ولا بين الصَّفا والمروة، قالت: فشكوتُ ذلك إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، قال: «افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» [متَّفقٌ عليه: صحيح البخاريِّ، ح: (1650)، ك: الحجّ، ب: تقضي الحائض المناسك كلَّها إلَّا الطَّواف...، (2/ 159). صحيح مسلم، ح: (1211)، ك: الحجّ، ب: بيان وجوه الإحرام ...، (2/ 873)].
ووجه الدّلالة من هذا الحديث: أنَّ قراءة القرآن ممَّا يفعله الحاجُّ، ومِن ثَمَّ فيجوز للحائض فعله [يُنظر: طرح التَّثريب في شرح التَّقريب، للحافظ العراقيّ،(5/ 123)، أكمله: ابنه أحمد، الطَّبعة المصريَّة القديمة].
وللسَّادة المالكيَّة بعض التَّفصيل في المسألة؛ حيث ذكروا أنَّه يجوز للحائض قراءة القرآن الكريم طوال فترة الحيض إلَّا إذا انقطع عنها الدَّم ولم تغتسل، فيحرم عليها قراءة القرآن من وقت انقطاع الدِّم إلى أن تغتسل؛ وذلك لأنَّ رفع الحدث بعد انقطاع الدَّم ودخولها في حكم الطَّاهرات أصبح بيدها، فتقاس في هذه الفترة- فقط- على الجنب، بجامع أنَّ كلًّا منهما يتمكَّن من رفع الحدث عنه.
يقول الشَّيخ الدَّردير رَحِمَهُ اللهُ: "ويَحرُم على الحائض أيضًا دخولُ مسجدٍ ومسُّ مصحفٍ ولا يحرُم عليها قراءة القرآن إلَّا بعد انقطاعه وقبل غُسلها، سواء كانت جُنُبًا حال حيضها أم لا، فلا تقرأ بعد انقطاعه مطلقًا حتَّى تغتسل، هذا هو المعتمد" [بلغة السَّالك لأقرب المسالك، (1/216)، دار المعارف].
والمعمول به في الفتوى هو قول جمهور الفقهاء بعدم جواز قراءة الحائض للقرآن؛ احتياطًا للعبادة، إلا أن المرأة الحائض متى وجدت مشقةً في ذلك أو احتاجت إلى قراءة القرآن للتعلُّم أو خشية النسيان- فلا حرج عليها في تقليد قول السادة المالكية ومن وافقهم، وذلك دون مسِّ المصحف، فإمَّا أن تحمله بحائلٍ، أو أن تقرأ من خلال الوسائل الأخرى كالهاتف أو التابلت، ونحو ذلك، ولا حرج عليها في ذلك إن شاء الله تَعَالَى. وقد بينَّا حكم قراءة الجنبِ للقرآن بالتَّفصيل في الفتوى رقم 224
وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.
هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.