الوضوء والغسل والتيمم

هل يجب علي أن أغتسل بعد الجماع مباشرة؟ وشكرا

مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف

هل يجب علي أن أغتسل بعد الجماع مباشرة؟ وشكرا

يُستحبُّ للمسلم إذا أجنب أن يُسارع ويُبادر إلى الغسل، ولا يجب عليه الغسل على الفور إلَّا إذا تعيَّن وقت الصَّلاة، بأن يكون الوقت المتبقي على خروج وقت الصَّلاة يكفي فقط الغسل وأداء الصَّلاة- عندها يجب عليه الغسل-، أو أراد فعل ما لا يصحُّ إلَّا بالطَّهارة كقراءة القرآن.

بِاسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدُ...

فإنَّ الله تَعَالَى قد أثنَى على المتطهِّرين وامتدحهم، فقال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]، وقال جَلَّ جَلَالُهُ: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ} [التَّوبة: 108].

والطُّهور من كمال الإيمان، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ» [صحيح مسلم، ح: (223)، ك: الطَّهارة، ب: فضل الوضوء، (1/203)].

والمداومة على الطَّهارة من أكثر القربات الَّتي تصل بصاحبها إلى الجنَّة؛ فقد ورد عن سيِّدنا عَبْدِ اللهِ بن بُرَيْدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا بِلَالًا فَقَالَ: «يَا بِلَالُ بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الجَنَّةِ؟ مَا دَخَلْتُ الجَنَّةَ قَطُّ إِلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي، دَخَلْتُ البَارِحَةَ الجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي ... » وفيه: فَقَالَ بِلَالٌ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَذَّنْتُ قَطُّ إِلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَمَا أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ إِلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهَا وَرَأَيْتُ أَنَّ للهِ عَلَيَّ رَكْعَتَيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بِهِمَا» [سنن التِّرمذيِّ، تح: الشَّيخ شاكر، ح: (3689)، أبواب المناقب، بابٌ في مناقب أبي حفصٍ عمر بن الخطَّاب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، (5/ 620)، قال الإمام التِّرمذيُّ: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ"] .

لذا يُستحب للمسلم أن يحرص على المسارعة إلى الغُسل من الجنابة، ويُداوم على الطَّهارة قدر طاقته واستطاعته؛ ليكون من أهل تلك الفضائل العليَّة، والمحاسن الرَّبَّانيَّة.

وقد اتَّفق الفقهاء على أنَّه لا يجب على المسلم أن يغتسل على الفَور من الجنابة إلَّا إذا تعيَّن وقت صلاةٍ أو أراد فعل ما لا يصحُّ إلَّا بالغُسل؛ فحينئذٍ يجب عليه الغُسل على الفور، ولا يؤخِّره لئلا يقع في إثم تأخير العبادة عن وقتها.

والأصل في ذلك، قول اللهِ تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6].

وقد استدلُّ الفقهاء على أنَّه لا يجب على المسلم الاغتسال على الفَور من الجنابة بأدلَّةٍ، منها:

* ما جاء عن سيِّدنا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ المَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ، قال: فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ» قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّ المُسْلِمَ لاَ يَنْجُسُ» [مُتَّفقٌ عليه: صحيح البخاريّ، ح: (283)، ك: الغُسل، ب: عَرَق الجُنُب...، (1/65) صحيح مسلم، ح: (372)، ك: الحيض، ب: الدَّليل على أنَّ المسلم لا ينجس، (1/282)].

ووجه الدّلالة من الحديث: جواز تأخير الاغتسال عن أوَّل وقت وجوبه، والواجب أن لَا يُؤَخِّرهُ إِلَى أَن يفوته وقت صلاةٍ [يُنظر: فتح الباري، للإمام ابن حجر، (1/ 391)، دار المعرفة بيروت. وعمدة القاري شرح صحيح البخاريّ، للإمام بدر الدِّين العينيّ، (3/ 240)، دار إحياء التُّراث العربيّ – بيروت].

* وما جاء عن سيِّدنا ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ عُمَرَ بن الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ» [مُتَّفقٌ عليه: صحيح البخاريّ، ح: (287)، ك: الغسل، ب: نوم الجُنُب، (1/65) صحيح مسلم، ح: (306)، ك: الحيض، ب: باب جواز نوم الجنب...، (1/248)].

ويُبيِّن الإمام ابن رجب رَحِمَهُ اللهُ وجه الدّلالة من الحديث، فيقول: "جواز تأخير الغسل من الجنابة لغير الضَّرورة، وإن الجنب كانَ في بيته، وإن نام في بيته وهو جنب، ولكنَّه إذا أراد النَّوم فإنَّه يُستحب أن يتوضأ" [فتح الباري، (1/ 349)، مكتبة الغرباء الأثريَّة - المدينة النَّبويَّة].

وقد نُقل إجماع الفقهاء على هذا، يقول الإمام ابن نُجيم رَحِمَهُ اللهُ: "نقَل الشَّيخ سراج الدِّين الهنديُّ الإجماعَ على أنَّه لا يجب الوضوءُ على المحدِث، والغُسلُ على الجُنُبِ والحائِضِ والنُّفَساء، قبل وجوبِ الصَّلاة، أو إرادة ما لا يحلُّ إلَّا به" [البحر الرَّائق، (1/63)، دار الكتاب الإسلاميّ].

ويقول الإمام النَّوويُّ رَحِمَهُ اللهُ: "وفي هذه الأحاديث المذكورة في الباب أنَّ غُسلَ الجنابة ليس على الفور، وإنَّما يتضيَّق على الإنسان عند القيام إلى الصَّلاة وهذا بإجماع المسلمين" [شرح النَّوويّ على صحيح مسلم، (3/219)، دار إحياء التُّراث العربيّ – بيروت].

وبِناءً على ما سبق: يُستحبُّ للمسلم إذا أجنب أن يُسارع ويُبادر إلى الغسل، ولا يجب عليه الغسل على الفور إلَّا إذا تعيَّن وقت الصَّلاة بأن يكون الوقت المتبقي على خروج وقت الصَّلاة يكفي فقط الغسل وأداء الصَّلاة- عندها يجب عليه الغسل-، أو أراد فعل ما لا يصحُّ إلَّا بالطَّهارة كقراءة القرآن.

ولمعرفة الكيفيَّة الصَّحيحة الكاملة للغسل؛ يمكنكم الاطلاع على الفتوى رقم 154

وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.

هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.