الوضوء والغسل والتيمم

ما حكم النِّيَّة في الغُسل من الجنابة؟

مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف

ما حكم النِّيَّة في الغُسل من الجنابة؟

اختلف الفقهاء في حكم النِّيَّة في الغُسل على قولين؛ حيث يرى السَّادة الحنفيَّة أنَّها سُنَّةٌ من سُنن الغُسل، لا تتوقف عليها صحَّته. بينما ذهب جمهور الفقهاء إلى أنَّه لا يصحُّ الغُسل بدونها، فهي إمَّا فرضٌ مِن فرائضه كما قال السَّادة المالكيَّة والشَّافعيَّة والظَّاهريَّة، وإمَّا شرطٌ من شروط صحَّته كما عند السَّادة الحنابلة، وهذا هو المختار، وما عليه العمل في الفتوَى؛ فيجب استحضار النِّيَّة عند الغُسل، ويكفي في ذلك مجرد القصد والاستحضار بالقلب، ولا يشترط نطقها باللِّسان؛ وذلك لقول سيِّدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ» [مُتَّفقٌ عليه].

بِاسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدُ...

فللنِّيَّة مكانةٌ عظيمةٌ، ومنزلةٌ جليلةٌ في الشَّرع الشَّريف؛ فهي روح العِبادة وجوهرها، وبها يحدد الإنسان مقصده وغايته، يقول الله تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البيِّنة: 5]. ويُبيِّن سيِّدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهميتها، فيقول: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [متَّفقٌ عليه: صحيح البخاري، ح: (1)، ك: بدء الوحي، ب: كيف كان بدء الوحي؟ (1/6). صحيح مسلم، ح: (1907)، ك: الإمارة، ب: قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّما الأعمال بالنِّيَّة»، (3/1515)]. يقول الإمام الشَّافعيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "يدخل هذا الحديث في سبعين بابًا من الفقه" [الجامع لأخلاق الرَّاوي وآداب السَّامع، للخطيب البغدادي، تح: د. محمود الطَّحان، (2/290)، مكتبة المعارف - الرِّياض].

والنِّيَّة في اللُّغة قصد الشَّيء وإرادته [يُنظر: مقاييس اللُّغة، لابن فارس، (5/366)، مادة: نوَى، ط: دار الفكر]، وهي انبعاث القلب نحو ما يراه الإنسان موافقًا لجلب النَّفع له أو دفع الضُّر عنه في الحال أو المآل [يُنظر: فتح الباري، لابن حجر، (1/ 13)، دار المعرفة - بيروت]. وقد عرَّفها القاضي البيضاويُّ رَحِمَهُ اللهُ بأنَّها: "الإرادة المتوجِّهة نحو الفعل ابتغاءً لوجه الله تَعَالَى وامتثالًا لحكمه" [يُنظر: الأشباه والنَّظائر، لابن نجيمٍ، صـ 25، دار الكتب العلميَّة، بيروت، ط: الأولَى].

هذا؛ وقد اختلف الفقهاء في اشتراط النِّيَّة في الغسل على قولين:

القول الأوَّل: النِّيَّةَ سُنَّةٌ من سنن الغسل، وليست بفرضٍ من فرائضه ولا بشَرطٍ من شروط صحَّته. وهذا مذهب السَّادة الحنفيَّة.

واستدلُّوا على ذلك بأدلَّةٍ، منها:

* قول الله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6].

ويُبيِّن الإمام السَّرخسيُّ رَحِمَهُ اللهُ وجه الاستدلال بالآية، فيقول: "فيها- أي الآية- تنصيصٌ على الغُسل، والمسح، وذلك يتحقَّق بدون النِّيَّة، فاشتراط النِّيَّة يكون زيادةً على النَّصِّ؛ إذ ليس في اللَّفظ المنصوص ما يدلُّ على النِّيَّة، والزِّيادة لا تثبت بخبر الواحد، ولا بالقياس بخلاف التَّيمُّم، فإنَّه عبارة عن القصد لغةً، قال الله تَعَالَى {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة: 267]، ففي اللَّفظ ما يدلُّ على اشتراط النِّيَّة فيه" [المبسوط، (1/72)، ط: دار المعرفة - بيروت].

* كما استدلُّوا على ذلك بالقياس؛ حيث قاسوا عدم اشتراط النِّيَّة في الغسل بالماء، على عدم اشتراطها في إزالة النَّجاسات بالماء؛ فكما لا تُشترط النِّيَّة في إزالة النَّجاسات بالماء، لا تشترط في الغسل به، يقول الإمام السَّرخسيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "لأنَّها طهارةٌ بالماء فكانت كغسل النَّجاسة، وتأثير ما قلنا أنَّ الماء مطهِّرٌ في نفسه، والحدث الحكميُّ دون النَّجاسة العينيَّة فإذا عمل الماء في إزالة النَّجاسة العينيَّة بدون النِّيَّة ففي إزالة الحدث الحكميِّ أَولَى" [المبسوط، (1/72)].

* كما علَّلوا لذلك بأنَّ الغُسل عبادةٌ معقولة المعنَى فلا تفتقر إلى نِيَّةٍ، فهو يجمع بين العبادة والنَّظافة، بخلاف التَّيمُّم مثلًا فهو عبادةٌ محضةٌ تفتقر إلى نِيَّة [بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد، (1/73)، دار الحديث].

يقول الإمام أبو جعفر الطَّحاويُّ رَحِمَهُ اللهُ: "والطَّهارة بالماء من الأحداث كلِّها بلا نِيَّةٍ جائزةٌ" [شرح مختصر الطَّحاويِّ، (1/302، 303)، دار السِّراج، ط: الأولَى].

وقد أجابوا عن حديث «الأعمال بالنِّيَّة»: أنَّ المراد به: ثواب العمل وكماله إنَّما يكون بحسب النِّيَّة [يُنظر: المبسوط، (1/72)].

القول الثَّاني: لا يصحُّ الغُسل إلَّا بالنِّيَّة. وهذا مذهب جمهور الفقهاء: المالكيَّة والشَّافعيَّة والحنابلة.

واستدلُّوا على ذلك بقول سيِّدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» [متَّفقٌ عليه].

ووجه الدّلالة من الحديث: أنَّ المراد من قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» نفي صحَّة العمل، فلا يصح العمل إلَّا بالنِّيَّة [يُنظر: فتح الباري لابن حجر، (1/ 13)].

فالنِّيَّة- عندهم- لا تخلو: إمَّا أن تكون فرضًا من فرائض الغُسل أو شرطًا لصحَّته.

فيرى السَّادة المالكيَّة والشَّافعيَّة والظَّاهريَّة أنَّ النِّيَّةَ من فرائضه. يقول الإمام أبو بكر التَّميميُّ الصقلي المالكيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "فالغُسل من الجنابة فريضةٌ، وهو مشتملٌ على مفروضٍ ومسنونٍ وفضيلةٍ، فمفروضاته خمس: النِّيَّة، وطهارة الماء، وتعميم جميع الجسد..." [الجامع لمسائل المدونة، (1/223)، دار الفكر، ط: الأولَى].

ويقول الإمام تقي الدِّين الحصنيُّ الشَّافعيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "وفرائض الغُسل ثلاثة أشياء: النِّيَّة، وإزالة النَّجاسة إن كانت علَى بدنه، وإيصال الماء إلى أصول الشَّعر والبَشَرة" [كفاية الأخيار في حلِّ غاية الاختصار، صـ 43، دار الخير دمشق، ط: الأولَى].

ويقول الإمام ابن حزم الظَّاهريُّ رَحِمَهُ اللهُ: "برهان ذلك أنَّ النِّيَّة لمَّا صحَّ أنَّها فرضٌ في العمل، وَجَبَ أن تكون لا يخلو منها شيءٌ مِن العمل" [المحلَّى، (1/94)، دار الفكر - بيروت].

بينما يرى السَّادة الحنابلة أنَّها شرطٌ لصحَّة الغُسل، يقول الإمام أبو الفرج ابن قدامة رَحِمَهُ اللهُ: "والنِّيَّةُ شَرْطٌ لطهارةِ الحَدَثِ كلِّها: الغُسْلِ، والوُضوءِ، والتَّيَمُّمِ..." [الشَّرح الكبير على متن المقنع، (1/306، 318)، دار الكتاب العربيّ].

وبِناءً على ما سبق: فإنَّ النِّيَّة تدور بين الوجوب والاستحباب عند الفقهاء، والمختار للفتوى قول جمهور الفقهاء؛ فيجب استحضار النِّيَّة عند الغُسل، ويكفي في ذلك مجرد القصد والاستحضار بالقلب، ولا يشترط نطقها باللِّسان.

ولمعرفة الكيفيَّة الصَّحيحة الكاملة للغسل؛ يمكنكم الاطلاع على الفتوى رقم 154

وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.

هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.