قضايا فقهية معاصرة

ما الأدلة التفصيلية على حرمة السجائر ؟

مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف

ما الأدلة التفصيلية على حرمة السجائر ؟

تدخين السجائر حرامٌ شرعًا؛ لما ثبت من إضراره بصحَّة الإنسان، وقد قال تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ... } [البقرة: 95]، وقال أيضًا: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]. وقال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». وهذه الحُرمة تنسحب على البائع والمشتري والمُصنِّع وكلِّ مَن ساهم في عملية إيصال الدُّخان إلى المدخِّن؛ لِتعاونهم على محرَّم، وقد قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة:2].

الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، وبعد...

فقد أحلَّ اللهُ سبحانه وتعالى لنا الطَّيِّباتِ، وحرَّم علينا الخبائثَ، ومعلومٌ أن الأصل في المضارّ التحريم.

قال الإمام تقي الدين الحصني رحمه الله: "فالذى استقر عليه أصحابنا وجمهور أهل العلم: أن الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار التحريم؛ بالأدلة الشرعية". [القواعد للحصني (1/ 478)، مكتبة الرشد ، الرياض، ط: الأولى. ويُنظر: الإبهاج في شرح المنهاج (3/ 165)، دار الكتب العلمية - بيروت - وتهذيب الفروق مطبوع بحاشية الفروق للقرافي، (1/ 220) عالم الكتب].

وتدخين السجائر -الَّذِي هو تعاطي نبات التَّبغ بالإحراق، وجذب الدُّخَان النَّاتج عن إشعاله بأي وسيلة- يضر الإنسان ويودي بحياته، وقد ثبت ضرره عند أهل الاختصاص بما لا شك فيه.

  1. وهذا هو عمدة أدلة القائلين بتحريمه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». [المستدرك على الصحيحين، ك: البيوع، ب: النهي عن المحاقلة والمخاضرة والمنابذة، ح: (2358)، وقال: وهو حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه].

ومن الأدلة التي ذكرها العلماء أيضًا في تحريم التدخين:

قول الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29].

ووجه الدلالة: أن تكرار الدخان يسوّد ما يتعلق به، وتتولّد منه الحرارة؛ فتكون داءً مُزمنًا مهلِكًا؛ فتشمله هذه الآية. [يُنظر: فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك (1/ 118)].

وما ثبت عَنِ سيدنا النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: - وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ - «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ... [متفق عليه: صحيح البخاري، ك: الإيمان، ب: فضل من استبرأ لدينه (1/ 20)، ح: 52 - صحيح مسلم، ك: المساقاة، ب: أخذ الحلال وترك الشبهات (3/ 1219) ح: (1599) واللفظ لمسلم].

ووجه الدلالة: أن هذا الدخان مما اشتبه حكمه، ولم ينكشف أمره: فمن تركه ولم يستعمله يكون دينه سالماً من الفساد أو النقصان، ناجياً من العيب واللوم بين الأنام، ومن لم يتركه بل استعمله يقع في الحرام. [يُنظر: ترويج الجنان بحكم شرب الدخان (ص: 20)، مركز العلماء العالمي للدراسات عمان، الأردن.، ط: الأولى].

وكذلك استدلوا أيضا: بما ورد عَنْ أَبِي الحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الكَذِبَ رِيبَةٌ». [سنن الترمذي، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، بابٌ (4/ 668) ح: 2518، وقال الترمذي: وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ].

ووجه الدلالة: أن استعمال الدخان مما أراب وأوقع الاضطراب؛ فأوجب الاجتناب. [يُنظر: فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك (1/ 122)].

كما أنّ في شرب الدخان إسراف وتبذير وإضاعة للمال، وكل ذلك منهيٌّ عنه. [يُنظر: فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك (1/ 122)].

ولقد علّق كثيرٌ من الفقهاء القدامي القائلين بعدم حرمة تعاطى الدخان ثبوتَ الحرمة على ثبوت الضرر: فإذا ثبت الضرر جاز القول بالتحريم.

قال الشيخ نور الدين عليّ الأجهوري وهو من القائلين بإباحة شرب الدخان رحمه الله: "ومن ضره [يعني شرب الدخان] بإخبار عارفٍ يوثق به أو بتجربة في نفسه حرُم عليه". [غاية البيان لحل شرب ما لا يغيب العقل من الدخان (ص 342)، تح: محمد عبد الله سلمان، مجلة الجامعة العراقية- كلية العلوم الإسلامية، العدد 42/3 ].

وجاء في العقود الدرية للإمام ابن عابدين رحمه الله: "والحق في إفتاء التحليل، والتحريم في هذا الزمان التمسك بالأصلين اللذين ذكرهما البيضاوي في الأصول، ووصفهما بأنهما نافعان في الشرع: الأول: أن الأصل في المنافع الإباحة... والثاني: أن الأصل في المضار التحريم، والمنع لقوله - عليه الصلاة والسلام - «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» وأيضا ضبط أهل الفقه حرمة التناول إما: بالإسكار كالبنج، وإما بالإضرار بالبدن كالتراب، والترياق، أو بالاستقذار كالمخاط، والبزاق، وهذا كله فيما كان طاهرا، وبالجملة إن ثبت في هذا الدخان إضرار صرف خال عن المنافع فيجوز الإفتاء بتحريمه، وإن لم يثبت انتفاعه فالأصل حله". [العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية (2/ 332)، دار المعرفة].

وبنحوه قال الإمام عبد الحي اللكنوي رحمه الله حيث ذكر القاعدة في معرفة حرمة الأشياء وإباحتها، وحكى في ذلك ثلاثة أقوال، وقال: "والثالث وهو الصحيح أن يكون فيه تفصيل: وهو أن المضار متصفة بالحرمة، بمعنى أن الاصل فيها الحرمة، وأن المنافع متصفة بالاباحة... وعلى هذا القول الثالث الصحيح يخرج حكم هذا الدخان أيضًا؛ فإنه لو كان نافعًا لكان الأصل فيه الإباحة، لكن قد ثبت بإخبار الحذاق من الأطباء أنه مضر ولو في الآجل؛ فيكون الأصل فيه الحرمة، بل لو وقع الشرك فيه لغُلّب جانب الحرمة كما هو القاعدة الشرعية... وأقل مراتبه الكراهة". [ترويج الجنان بحكم شرب الدخان (ص: 19، 20)].

وبالرجوع إلى أهل الاختصاص في إثبات الضرر من عدمه: تبيّن بما لا يدع مجالًا للشك الضررُ البالغ الذي يسببه التدخين بجميع صوره، بل جملةٌ من الأضرار والأمراض التي تصيب القلب، والرئة، ومعظم أعضاء البدن.

وتؤكد ذلك مراجع طبية عالمية موثوقة كـ منظمة الصحة العالمية، ومنظمة مايو كلينك Mayo Clinic.

حيث جاء على موقع منظة الصحة العالمية: "يعد وباء التبغ أحد أكبر التهديدات الصحية العامة التي واجهها العالم على الإطلاق، وهو مسؤول عن وفاة أكثر من 7 ملايين شخص سنوياً، إلى جانب حالات الإعاقة والمعاناة الطويلة الأجل التي تسببها الأمراض الناجمة عن التبغ، وجميع أشكال تعاطي التبغ ضارة، ولا يوجد مستوى آمن للتعرض للتبغ. ويعد تدخين السجائر الشكل الأكثر شيوعاً لتعاطي التبغ في جميع أنحاء العالم. وتشمل منتجات التبغ الأخرى تبغ النرجيلة، والسيجار، والسيجار الصغير الفاخر، والتبغ المسخَّن، ولفائف التبغ الخاصة، وتبغ الغليون، وسجائر البيدي والكريتكس (القرنفل)، ومنتجات التبغ عديم الدخان". [يُنظر: https://www.who.int/ar/news-room/fact-sheets/detail/tobacco ويُنظر: https://www.mayoclinichealthsystem.org/hometown-health/speaking-of-health/a-smokers-guide-to-quitting ].

وبناء على ما سبق: يمكننا القول بأنه قد استقر الحكم في التدخين على الحُرمة؛ لثبوت ضرره.

جاء في الفواكه العديدة في المسائل المفيدة: "وأما اختلاف المفتين بالحلّ والتحريم، وجُمِعَ بإطلاق الحلّ على ما ثبت عند قائله من نحوهما، غير مُسكرَيْن ولا مضرَّيْن، وإلا فلو ثبت عنده إسكارهما أو أضرارهما؛ لقال بالحرمة جزمًا، وحمل إطلاق التحريم على ما ثبت عند قائله من كونهما مُسكرَيْن أو مضرَّيْن ، وإلا فلو ثبت عنده عدم ذلك؛ لقال بالحلّ جزمًا". [الفواكه العديدة في المسائل المفيدة (2/ 85)].

فعلى كلِّ مَن ابتُلِيَ بالتَّدخين أن يُقلع عنه حفاظًا على نفسه وأولاده؛ ويَقِي نفسه وأولاده والمجتمع الضرر.

وللمزيد من التفصيل عن حكم التدخين يُرجى الاطلاع على فتوى رقم (399).

والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم.

هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.