أحكام الصلاة

ما حكم القراءة من المصحف فى الصلاة؟

مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف

ما حكم القراءة من المصحف فى الصلاة؟

المفتى به جواز القراءة من المصحف في الصلاة مطلقًا في الفرض والنفل، وهو قول السادة الشافعية والسادة الحنابلة، وعلى ذلك كان فعل أهل القرون الفاضلة، مع التنبيه إلى مراعاة عدم الإكثار من الحركة الخارجة عن أفعال الصلاة، والمتمثلة في كثرة الفتح والغلق، وتقليب الأوراق، والاقتصار على مِقدار الضرورة. وإن كان الأَوْلى للمصلي الحافظ للقرآن أن يقرأ من حفظه بمقدار ما تتحقق به صحة الصلاة؛ وذلك خروجًا من الخلاف.

الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، وبعد...

فقد اتفق الفقهاء على أنَّ مطلق قراءة القرآن ركنٌ من أركان الصلاة، ولكنهم اختلفوا في بعض الأحكام المتعلقة بهذه القراءة ومنها القراءة من المصحف في الصلاة وقد جاء اختلافهم على أقوال أربعة:

القول الأول: يجوز للمصلي أن يقرأ من المصحف في صلاة الفرض والنفل. وهو قول السادة الشافعية، وهو المذهب عند السادة الحنابلة.

واستدلوا على ذلك:

بما ورد عَنْ أم المؤمنين السيدة عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَنَّهَا كَانَ يَؤُمُّهَا غُلَامُهَا ذَكْوَانُ فِي الْمُصْحَفِ فِي رَمَضَانَ" [السنن الكبرى للبيهقي، (2/ 359)، ح: (3366) ك: الصلاة، ب: من تصفح في صلاته كتابا ففهمه أو قرأه. وقال النووي رحمه الله في خلاصة الأحكام (1/ 500): رواه البيهقي بإسناد صحيح ].

  • وكذلك استدلوا بقول الإمام ابْن شِهَابٍ الزهري رحمه الله: "كَانَ خِيَارُنَا يَقْرَءُونَ فِي الْمَصَاحِفِ فِي رَمَضَانَ". [مدونة الإمام مالك (1/ 289)، دار الكتب العلمية. ويُنظر: مختصر قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر للإمام المروزي (ص: 234)، دار حديث أكادمي- باكستان، ط: الأولى].
  • واستدلوا من المعقول: بأنّه عملٌ يسير لا تبطل به الصلاة. [ينظر: المبدع في شرح المقنع (1/ 440) دار الكتب العلمية].

قال الإمام النووي رحمه الله: "لو قرأ القرآن من المصحف لم تبطل صلاته سواء كان يحفظه أم لا، بل يجب عليه ذلك إذا لم يحفظ الفاتحة... ولو قلّب أوراقه أحيانًا في صلاته لم تبطل". [المجموع للنووي (4/ 95) دار الفكر].

وقال الإمام ابن مفلح رحمه الله: "(ويجوز له النظر في المصحف) والقراءة منه فيها، جزم به معظم الأصحاب... وهو قول عطاء؛ ولأنه ليس بعمل كثير، والفرض والنفل سواء، قاله ابن حامد". [المبدع في شرح المقنع (1/ 440)].

القول الثاني: القراءة من المصحف في الصلاة تفسد الصلاة؛ وهو قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وأحد الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله.

وحجتهم في ذلك: أنَّ المصلي إن كان يحمله فهو عمل كثير؛ لأنه حمل وتقليب الأوراق، وإن كان على الأرض فإنَّه تعلُّم وإنه عمل كثير فيفسدها كما لو تعلم من غيره.

قال الإمام ابن مودود الموصلي رحمه الله: " (وإن أكل أو شرب أو تكلم أو قرأ من المصحف فسدت صلاته)... وله: إن كان يحمله فهو عمل كثير؛ لأنه حمل وتقليب الأوراق، وإن كان على الأرض فإنه تعلّم، وإنه عمل كثير فيفسدها، كما لو تعلَّم من غيره". [الاختيار لتعليل المختار (1/ 62)، الحلبي].

وهو ما نصَّ عليه الإمام المرداوي رحمه الله رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، حيث قال: "قوله (ويجوز له النظر في المصحف) يعني القراءة فيه، وهذا المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، وقطع به كثير منهم، وعنه: يجوز له ذلك في النفل، وعنه: يجوز لغير حافظ فقط، وعنه [أي الإمام أحمد]: فعل ذلك يبطل الفرض، وقيل: والنفل". [الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/ 109)، دار إحياء التراث العربي].

القول الثالث: لا تبطل الصلاة، لكنها تُكره. وقال به الإمامان أبو يوسف ومحمد رحمهما الله، من السادة الحنفية.

والأصل في إطلاق الكراهة عند السادة الحنفية: الكراهة التحريمية التي يأثم فاعلها.

وحجة هذا القول: أنَّ النظر في المصحف عبادة فلا يفسد الصلاة إلا أنَّه يكره؛ لأنه تشبّه بأهل الكتاب.

قال الإمام ابن مودود الموصلي رحمه الله: " (وإن أكل أو شرب أو تكلم أو قرأ من المصحف فسدت صلاته)... وأما القراءة من المصحف، فمذهب أبي حنيفة، وعندهما: لا تفسد؛ لأنَّ النظر في المصحف عبادة فلا يفسدها إلا أنه يكره؛ لأنه تشبه بأهل الكتاب". [الاختيار لتعليل المختار (1/ 62)، الحلبي].

القول الرابع: تُكره القراءة من المصحف في صلاة الفريضة مطلقًا كراهة تنزيه، وأما في النافلة فتُكره إذا ابتدأ القراءة وفتح المصحف أثناء النافلة. وهو قول السادة المالكية.

وحجتهم في ذلك: أنَّ فيه انشغالَ المصلّي عن الخشوع في الصلاة، ولم يُكره في بداية قراءة النفل؛ لأنَّه يغتفر في النفل ما لا يغتفر في الفرض.

قال الشيخ الخرشي رحمه الله: "يكره قراءة المصلي في المصحف في صلاة الفرض ولو دخل على ذلك من أوله؛ لاشتغاله غالبًا، ويجوز ذلك في النافلة إذا ابتدأ القراءة في المصحف، لا في الأثناء؛ فكُرِه". [شرح مختصر خليل للخرشي (2/ 11)، دار الفكر].

والذي عليه الفتوى: هو القول الأول: أنَّ القراءة من المصحف في الصلاة صحيحة، سواء كانت فرضًا أم نفلًا، وهو قول السادة الشافعية والسادة الحنابلة؛ فإنَّه من الأفعال اليسيرة التي لا تبطل بها الصلاة، وقد ثبت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت أبي العاص في الصلاة، فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِأَبِي العَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا». [متفق عليه: رواه البخاري ح (516) ك: الصلاة، ب: إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في الصلاة، ومسلم ح (543) ك: المساجد ومواضع الصلاة، ب: جواز حمل الصبيان في الصلاة].

والقراءة من المصحف ليست بأكثر عملًا من حمل الصبي في الصلاة.

مع التنبيه إلى مراعاة عدم الإكثار من الحركة الخارجة عن أفعال الصلاة، والمتمثلة في كثرة الفتح والغلق، وتقليب الأوراق، والاقتصار على مِقدار الضرورة.

وإن كان الأَوْلى للمصلي الحافظ للقرآن أن يقرأ من حفظه بمقدار ما تتحقق به صحة الصلاة؛ وذلك خروجًا من الخلاف.

والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم.

هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.