ما هو السنّ الذي يحاسب عنده الغلام ويكون مكلفا؟
الحَمْدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...
فقد جعل الشارع الحكيم البلوغَ شرطًا للتكليف والمساءلة، قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ». [سنن أبي داوود، ك: الحدود، ب: المجنون يسرق أو يصيب حدا، (4/ 141)، ح: 4403. وسنن الترمذي، ك: الحدود، ب: ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد، (4/ 32)، ح: 1423. وقال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي من غير وجه عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم... والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم...].
والبلوغ: هو انتهاء حد الصِّغر في الإنسان ليحكم عليه الشارع بالتكاليف الشرعية ويرتفع حَجره عن التصرفات. [جامع العلوم في اصطلاحات الفنون، للقاضي عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري (1/ 172)، دار الكتب العلمية - لبنان بيروت، ط: الأولى].
وقد جعل الشارعُ للبلوغ علاماتٍ، يُستدل بها على حصول البلوغ ووجوده. [يُنظر: شرح مختصر خليل للخرشي (5/ 291)، دار الفكر للطباعة - بيروت - ودقائق أولي النهى لشرح المنتهى (2/ 173)، عالم الكتب، ط: الأولى].
من هذه العلامات: إنزال المنيّ، والحيض والحمل في حق الأنثى... وقد تناولنا هذه العلامات تفصيلًا في الفتوى رقم: 7450.
فإذا ظهرت إحدى هذه العلامات- كان الغلام مُكلّفًا ومحاسَبًا على أفعاله.
وإذا لم تظهر علامة من علامات البلوغ، فيُلجأ إلى اعتبار البلوغ بالسن، وقد اختلف الفقهاء في تحديد البلوغ بالسِّن على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن سنّ البلوغ ـ سواء للذكر أو الأنثى ـ هو استكمال خمس عشرة سنة قمرية، وإليه ذهب محمد وأبو يوسف من السادة الحنفية، ورواية عن الإمام أبي حنيفة، وهو المُفتى به عندهم، وهو مذهب السادة الشافعية، والسادة الحنابلة.
واستدلوا على ذلك: بحديث سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي». [متّفقٌ عليه: صحيح البخاري، ك: الشهادات ب: بلوغ الصبيان وشهادتهم، (3/177)، ح: 2664 - وصحيح مسلم، ك: الإمارة ب: بيان سن البلوغ، (3/ 1490) ح: 1868].
ورواه ابن حبان والدارقطني بلفظ: "عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجِزْنِي، وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْتُ، ثُمَّ عُرِضْتُ عَلَيْهِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي". [صحيح ابن حبان، ب: الخروج وكيفية الجهاد (11/ 30)، ح: 4728 - وسنن الدارقطني، ك: السير. (5/ 203)، ح: 4202. وقال الدارقطني: صحيح].
ووجه الدلالة في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم ردَّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ولم يقبله ولم يُجزْه للخروج في الغزوة؛ لأنه في سن الرابعة عشرة، وفي السنة التالية أجازه، وكان في سن الخامسة عشرة، فدلَّ على أن عدم الإجازة كان بسبب عدم البلوغ، والإجازة كانت للبلوغ. [ينظر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، للخطيب الشربيني (3/ 133)، دار الكتب العلمية].
كما أيّدوا ذلك أيضًا: بأن المؤثر في الحقيقة هو العقل، وهو الأصل في الباب؛ إذ به قوام الأحكام، وإنما الاحتلام جُعل حدًّا في الشرع؛ لكونه دليلاً على كمال العقل، والاحتلام لا يتأخر عن خمس عشرة سنة عادةً، فإذا لم يحتلم إلى هذه المدة عُلم أن ذلك لآفة في خِلقته، والآفةُ في الخِلقة لا توجب آفةً في العقل، فكان العقل قائمًا بلا آفة، فوجب اعتباره في لزوم الأحكام. [يُنظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للكاساني (7/ 172)، دار الكتب العلمية، ط: الثانية].
-قال الإمام ابن عابدين رحمه الله: "وسن البلوغ على المفتى به خمس عشرة سنة في الجارية والغلام". [حاشية ابن عابدين (رد المحتار على الدر المختار) (6/ 168)، دار الفكر _ بيروت، ط: الثانية].
-وقال الإمام ابن نجيم رحمه الله: " وهذا قول أبي يوسف ومحمد، وهو قول الإمام الشافعي، ورواية عن أبي حنيفة"[البحر الرائق شرح كنز الدقائق، لابن نجيم (8/ 96) دار الكتاب الإسلامي].
وعند السادة الشافعية؛ يقول شيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله: "(والبلوغ) يحصل إما (باستكمال خمس عشرة سنة قمرية) تحديدية... وابتداؤها من انفصال جميع الولد". [أسنى المطالب في شرح روض الطالب، (2/ 206) دار الكتاب الإسلامي].
وعند السادة الحنابلة؛ يقول الإمام المرداوي رحمه الله: "(والبلوغ يحصل بالاحتلام) بلا نزاع (أو بلوغ خمس عشرة سنة، أو نبات الشعر الخشن حول القُبُل)"[الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، (5/ 320)، دار إحياء التراث العربي. ويُنظر: المغني لابن قدامة (4/ 346)، مكتبة القاهرة].
القول الثاني: أن سن البلوغ ـ للذكر أو الأنثى ـ هو إتمام ثمان عشرة سنة قمرية، وهذا هو المشهور في مذهب السادة المالكية.
واستدلوا على ذلك: بقوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ}[الأنعام: 152] قال ابن عباس: الأشد: ثماني عشرة سنة. ومثل هذا لا يقال إلا عن توقيف[الذخيرة، للقرافي( 8/ 239)، دار الغرب الإسلامي، وينظر: تفسير القرطبي، (16 /194) دار الكتب المصرية].
كما ذكروا: أنه لا يحكم للصبي بالبلوغ إذا لم يحتلم حتى يبلغ من السن ما لا يجاوزه أحدٌ في الغالب إلا احتلم؛ وهو السبعة عشر عامًا، أو الثمانية عشر عامًا. [يُنظر: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، لابن رشد الجدّ (10/ 236) دار الغرب الإسلامي].
وأجابوا عن حديث ابن عمر رضي الله عنه ـ الذي استدل به الجمهور على أن سن البلوغ خمس عشرة سنة ـ بأن هذا من كلام ابن عمر رضي الله عنه؛ فلعله عليه الصلاة والسلام عَلِمَ بلوغَه عند هذا السن... [يُنظر: الذخيرة، للقرافي (8/ 239)، دار الغرب الإسلامي].
وتأوَّلوا أيضًا قولَ ابنِ عمر رضي الله عنه "ولم يرني بلغت" بأنه لم يبلغ في هذا الوقت إطاقة القتال، وليس بلوغ التكليف، واستدلوا على هذا التأويل بقول سيدنا سمرة بن جندب رضي الله عنه: "... فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُ غِلْمَانَ الْأَنْصَارِ فِي كُلِّ عَامٍ؛ فَيُلْحِقُ مَنْ أَدْرَكَ مِنْهُمْ، قَالَ: فَعُرِضْتُ عَامًا، فَأَلْحَقَ غُلَامًا، وَرَدَّنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ أَلْحَقْتَهُ وَرَدَدْتَنِي، وَلَوْ صَارَعْتُهُ لَصَرَعْتُهُ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «فَصَارِعْهُ» فَصَارَعْتُهُ، فَصَرَعْتُهُ، فَأَلْحَقَنِي". [المستدرك على الصحيحين، للحاكم، ك: البيوع، (2/ 69) ح: 2356 - والسنن الكبرى، للبيهقي، ك: السير، ب: مَن لا يجب عليه الجهاد، (9/ 38). ح: 17810، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. [ويُنظر: شرح التلقين، للمازري، دار الغرب الإِسلامي].
قال الشيخ الخرشي رحمه الله: "ولما كان البلوغ عبارة عن قوة تحدث في الشخص، يخرج بها من حال الطفولية إلى غيرها، وتلك القوة لا يكاد يعرفها أحد، فجعل الشارع لها علامات يُستدل بها على حصولها؛ أشار المؤلف إلى أنها خمس؛ منها مشترك، ومختص، وعطفها بـ "أو" لئلا يُتوهم أن العلامات مجموعها؛ أولها: السن، وهو مشترك بين الذكر والأنثى؛ بقوله (ص) بثماني عشرة سنة (ش) أي: بتمام ثماني عشرة سنة على المشهور، وشَهَرَ غيرُ المؤلف ستة عشر، ولابن وهب خمسة عشر سنة". [شرح مختصر خليل، للخرشي (5/ 291)].
القول الثالث: أن سن البلوغ للذكر ثمان عشرة سنة، وللأنثى سبع عشرة سنة، وهو قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
واستدل على ذلك: بما رُوي عَنْ سيدِنا جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا رَضَاعَ بَعْدَ فِصَالٍ... وَلَوْ أَنَّ صَبِيًّا حَجَّ عَشْرَ حِجَجٍ ثُمَّ احْتَلَمَ كَانَتْ عَلَيْهِ حَجَّةٌ إِنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا حَجَّ عَشْرَ حِجَجٍ ثُمَّ عُتِقَ كَانَتْ عَلَيْهِ حَجَّةٌ إِنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا». [مسند أبي داود الطيالسي (3/ 321) ح: 1876، والسنن الكبرى للبيهقي، ك: الحج، جماع أبواب دخول مكة، ب: حج الصبي يبلغ، والمملوك يعتق، والذمي يسلم (5/ 292) ح: 9850. وقال البيهقي عقبه: وَحَرَامُ بْنُ عُثْمَانَ ضَعِيفٌ].
ووجه الدلالة من الحديث: أنه أضاف الحجَّ عليه، وأقلّ ما يُمكن الصبيّ أن يحجّ بنفسه إذا كان له سبع سنين أو ثمان، ثم أثبت له عشرَ حججٍ، ثم البلوغ، وهذا يلزم على أن البلوغ يتأخّر إلى ثماني عشرة سنة. [يُنظر: التجريد للقدوري (6/ 2905)، دار السلام – القاهرة، ط: الثانية].
كما أيّدوا ذلك: بأنّ صفة الصِّغَر معلومةٌ بيقين، فلا يُحكم بزوالها إلا بيقين مثله، ولا يقين في موضع الاختلاف، ثم أدنى المدة لبلوغ الغلام اثنا عشر سنة، وقد وجَبَ زيادة المدة على ذلك، فإنما يُزاد سبع سنين؛ اعتبارًا بأول أمره، كما أشار إليه صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم «مُرُوهُمْ بِالصَّلاةِ إِذَا بَلَغُوا سَبْعًا» وبين أهلِ التفسيرِ اختلافٌ في تفسير الأشُدّ، ولم يقل أحدٌ بأقل من ثمان عشرة سنة في قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} [يوسف: 22] فوجب تقدير مدة البلوغ به؛ ولكن الأنثى أسرع نشوءًا عادة، فيُنقَص في حقّها سنة، فيكون التقدير بسبع عشرة سنة. [المبسوط، للسرخسي، ( 6/ 54) دار المعرفة، ويُنظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للكاساني (7/ 172)].
قال الإمام الزيلعي رحمه الله: "(بلوغ الغلام؛ بالاحتلام، والإحبال، والإنزال؛ وإلا فحتى يتم له ثماني عشرة سنة، والجارية؛ بالحيض، والاحتلام، والحبل؛ وإلا فحتى يتم لها سبع عشرة سنة، ويُفتى بالبلوغ فيهما بخمس عشرة سنة) وهذا عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، وهو قول الشافعي، ورواية عن أبي حنيفة، والأول قول أبي حنيفة رحمه الله، وعنه في الغلام: تسع عشرة سنة، وقيل: المراد به أن يطعن في التاسعة عشرة؛ فلا اختلاف بين الروايتين؛ لأنه لا يتم له ثماني عشرة سنة إلا ويطعن في التاسعة عشرة، وقيل: فيه اختلاف الرواية حقيقة؛ لأنه ذكر في بعض النسخ حتى يستكمل تسع عشرة سنة". [تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ومعه حاشية الشِّلبي، (5/ 203) دار الكتاب الإسلامي].
والراجح مما سبق: هو قول جمهور الفقهاء، الذين يعتبرون سن البلوغ ـ للذكر والأنثى ـ إذا لم تظهر عليه إحدى علامات البلوغ- هو استكمال خمس عشرة سنة قمرية، وعندها يكون مخاطبًا بالتكاليف الشرعية، ومحاسبًا على أعماله.
واللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.
هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.