كيف أعرف بلوغ الصبي؟ أو ما هي علامات البلوغ؟
الحَمْدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...
فالبلوغ: في اللغة: الوصول. وفي الشرع: انتهاء حد الصِّغر في الإنسان ليحكم عليه الشارع بالتكاليف الشرعية ويرتفع حَجره عن التصرفات. [جامع العلوم في اصطلاحات الفنون، للقاضي عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري (1/ 172)، دار الكتب العلمية - لبنان / بيروت، ط: الأولى].
أو: هو عبارة عن قوةٍ تَحدث في الشخص، يخرج بها من حال الطفوليّة إلى غيرها. [شرح مختصر خليل للخرشي (5/ 291)، دار الفكر للطباعة - بيروت].
ولمّا كانت تلك القوة خفيّة، لا يكاد يعرفها أحدٌ، جعل الشارعُ لها علاماتٍ، يستدل بها على حصولها. [يُنظر: شرح مختصر خليل للخرشي (5/ 291) - ودقائق أولي النهى لشرح المنتهى (2/ 173)، عالم الكتب، ط: الأولى].
وقد اختلفت عبارات الأئمة في تحديد علامات البلوغ، ومنها ما اتفقوا عليه، ومنها ما اختلفوا فيه.
فمما اتفقوا عليه: 1ـ الإنزال (الاحتلام). 2ـ الحيض في حق الأنثى 3ـ الحمل في حق الأنثى أيضًا.
قال الإمام بدر الدين العيني رحمه الله: "م: (قال) ش: أي القدوري: م: (بلوغ الغلام بالاحتلام)... (والإحبال والإنزال إذا وطئ) ش: والأصل هو الإنزال، قال الله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ} [النور: 59] (سورة النور: الآية 59). وهذا بالإجماع بلا خلاف، وكذلك بلوغ الجارية بالحيض، والاحتلام والحبل بالإجماع". [البناية شرح الهداية (11/ 109)، دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان، ط: الأولى. ويُنظر: مراتب الإجماع (ص: 21)، دار الكتب العلمية - بيروت].
واختلفوا في أمرين: 1ـ نبات الشعر الخشن حول العورة. 2ـ وتحديد السنّ.
وهذه نصوصهم وأدلتهم الدالّة على ذلك:
أولا: أما اختلافهم في اعتبار نبات الشعر حول العانة فجاء على ثلاثة أقوال:
القول الأول: عدم اعتبار نبات الشعر حول العانة علامة للبلوغ. وإليه ذهب السادة الحنفية.
واستدلوا على ذلك:
بقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ». [». [سنن أبي داوود، ك: الحدود، ب: المجنون يسرق أو يصيب حدا، (4/ 141)، ح: 4403. وسنن الترمذي، ك: الحدود، ب: ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد، (4/ 32)، ح: 1423. وقال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي من غير وجه عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم... والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم...].
وجه الدلالة: أن هذا الحديث يقتضي أنه ممكنٌ رفع القلم عن الغلام وإن أنبت؛ لأن الشرعَ ذَكَرَ الاحتلام. [يُنظر: التجريد للقدوري (6/ 2916)، دار السلام – القاهرة، ط: الثانية].
وأيّدوا ذلك: بأنه شعرُ عضوٍ، فخروجه لا يكون بلوغًا، ولا يستدل به على البلوغ، وهو موضعٌ من بدنه، فخروج الشعر فيه وعدمه سواء، كسائر المواضع، كما أنه يَختلف باختلاف الناس، فنبات الشعر في الهنود مثلًا يسرع وفي الأتراك يبطئ. [يُنظر: التجريد للقدوري (6 /2916- 2918، والمبسوط للسرخسي (10/ 27)، دار المعرفة].
قال الإمام ابن عابدين رحمه الله: "(قوله: فإن لم يوجد فيهما) أي في الغلام والجارية شيءٌ مما ذُكر... إلخ مُفاده: أنه لا اعتبار لنبات العانة، خلافًا للشافعي، ورواية عن أبي يوسف، ولا اللحية، وأما نهود الثدي فذكر الحموي أنه لا يحكم به في ظاهر الرواية، وكذا ثِقل الصوت كما في شرح النظم الهاملي أبو السعود، وكذا شعر الساق والإبط والشارب". [حاشية ابن عابدين (رد المحتار على الدر المختار) (6/ 153)، دار الفكر _ بيروت، ط: الثانية].
القول الثاني: اعتباره علامة من علامات البلوغ. وإليه ذهب السادة المالكية في المشهور عندهم، والسادة الحنابلة، وهو وجهٌ عند السادة الشافعية مقابل الأصح.
واستدلوا على ذلك:
بما ورد عَنْ عَطِيَّةَ القُرَظِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: «عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ، فَكُنْتُ مِمَّنْ لَمْ يُنْبِتْ فَخُلِّيَ سَبِيلِي». [سنن أبي داود، ك: الحدود، ب: في الغلام يصيب الحد (4/ 141) ح: 4404- وسنن الترمذي، أبواب السير، باب ما جاء في النزول على الحكم (4/ 145) ح: 1584، واللفظ للترمذي، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ الإِنْبَاتَ بُلُوغًا، إِنْ لَمْ يُعْرَفْ احْتِلَامُهُ وَلَا سِنُّهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ].
والحديث ظاهر في الدلالة على اعتبار نبات الشعر حول العانة علامة على البلوغ؛ ومَن لم يُنبت لم يُقتل؛ لأن الصبيّ دون البلوغ لا يُقتل.
كما استدلوا بجملة من الآثار الواردة عن الصحابة رضوان الله عليهم، منها:
ما ورد عَنْ أَسْلَمَ، أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه: "ضَرَبَ الْجِزْيَةَ وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَلَّا يَضْرِبُوا الْجِزْيَةَ إِلَّا عَلَى مِنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى..." [مصنف عبد الرزاق الصنعاني، كتاب أهل الكتابين باب كم يؤخذ منهم في الجزية (10/ 329)، ح: 19267- والسنن الكبرى للبيهقي، كتاب الجزية، باب الزيادة على الدينار بالصلح (9/ 328) ح: 18682].
وجريان المُوسَى -وهي الآلة المعروفة لحلاقة الشعر-كناية عن نبات الشعر الخشن حول العانة.
كمّا أيّدوا ذلك من المعقول: بأنه لو قصرنا البلوغ علي السنّ لم يكن لنا دلالة عليه؛ فأمكن حجبُها وسترها؛ فيؤدي إلى إسقاط الأحكام؛ فوجب اعتبار معنى زائدٍ عليها، وليس إلا نبات الشعر حول العانة. [يُنظر: المعونة على مذهب عالم المدينة (ص: 1174)، المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمة].
كما أن كل شخصٍ ثبت بلوغه بالاحتلام جاز أن يثبت بالإنبات، كما ثبت في الكافر، ولا فرق بينه وبين المسلم في هذا الأمر الذي يتعلّق بالعادات. [يُنظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف (2/ 592)، دار ابن حزم، ط: الأولى].
-قال الشيخ خليل المالكي رحمه الله: "وبلوغ الذكر: بالاحتلام أو بالإنبات، أو بالسن ... والمشهور أن ما ذكره أن الإنبات علامة، قاله المازَري وغيره... ولمالكٍ في كتاب القذف أنه ليس علامةً على البلوغ، ونحوه لابن القاسم في كتاب القطع. وجعل في المقدمات هذا الخلاف فيما بينه وبين الآدميين، قال: وأما فيما بينه وبين الله من وجوب الصلاة ونحوها فلا خلاف أنه ليس بعلامة. ويصدّق في الاحتلام ما لم تقم رِيبة، والإنباتُ مثله". [التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (6/ 232) مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث، ط: الأولى].
-وقال الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله: "والبلوغ يحصل بالاحتلام أو بلوغ خمس عشرة سنة أو نبات الشعر الخشن حول القُبُل، وتزيد الجارية بالحيض والحمل". [المقنع في فقه الإمام أحمد (ص: 189)، مكتبة السوادي للتوزيع - المملكة العربية السعودية، ط: الأولى].
-وقال الإمام الشيرازي رحمه الله: "وأما الإنبات: فهو الشعر الخشن الذي ينبت على العانة، وهو بلوغ في حق الكافر... وهل هو بلوغ في نفسه أو دلالة على البلوغ؟ فيه قولان: أحدهما: أنه بلوغ؛ فعلى هذا هو بلوغ في حق المسلم؛ لأن ما كان بلوغاً في حق الكافر كان بلوغاً في حق المسلم: كالاحتلام، والسن. والثاني: أنه دلالة على البلوغ؛ فعلى هذا هل يكون دلالة في حق المسلم؟ وفيه وجهان: أحدهما: أنه دلالة؛ لما روى محمد بن يحيى بن حبان أن غلاماً من الأنصار شبّب بامرأة في شِعرِهِ فرفع إلى عمر رضي الله عنه فلم يجده أنبت فقال: لو أنبت الشعر لحددتك. والثاني: أنه ليس بدلالة في حق المسلم، وهو ظاهر النص؛ لأن المسلمين يمكن الرجوع إلى أخبارهم، فلم يجعل ذلك دلالة في حقهم، والكفار لا يمكن الرجوع إلى أخبارهم فجعل ذلك دلالة في حقهم... ". [المهذب في فقة الإمام الشافعي للشيرازي (2/ 130، 131)، دار الكتب العلمية].
القول الثالث: اعتباره بلوغًا في الكافر ومن جُهِل إسلامُه، دون المسلم. وهو الأصح عند السادة الشافعية.
ودليلهم في أنه بلوغٌ في حقّ الكافر: حديث عطية القرظي رضي الله عنه المتقدّم في القول الثاني.
لكنّ السادة الشافعية فرّقوا بين المسلم والكافر؛ لأن المسلم يُمكن مراجعة آبائه وأقاربه المسلمين لمعرفة بلوغه، كما أن المسلم متَّهَم بأنّه ربما تعجّل الإنباتَ بدواءٍ؛ دفعًا للحَجْر، وتشوُّفًا للولاية، بخلاف الكافر، فإن نبات شَعرِه يُفضي به إلى القتل أو ضرب الجزية. [يُنظر: المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي (2/ 130، 131- وفتح الوهاب بشرح منهج الطلاب (1/ 242)، دار الفكر للطباعة والنشر].
-قال الإمام النووي رحمه الله: "ونبات العانة يقتضي الحكم ببلوغ ولد الكافر لا المسلم في الأصح". [منهاج الطالبين وعمدة المفتين في الفقه (ص: 123)، دار الفكر، ط: الأولى].
وبناء على ما سبق: فالاختلاف بين الفقهاء قويٌّ في اعتبار نبات الشعر حول العانة علامةً من علامات البلوغ أو لا، ولا يُنكر المُختلف فيه، إلا أنّ اعتباره في حق الكافر قويٌّ؛ لثبوت حديث عطية القرظي رضي الله عنه.
فإذا ظهرت إحدى العلامات السابقة عرفنا أن الصبيّ قد بلغ.
ثانيًا: السنّ.
فإذا لم تظهر أيّ علامة من علامات البلوغ، فيُلجأ إلى اعتبار البلوغ بالسنِّ، وقد اختلف الفقهاء في تحديد البلوغ بالسِّن، عند عدم وجود علامةٍ من علامات البلوغ، وذلك على ثلاثة أقوال: وقد تناولنا أقوالهم تفصيلًا في الفتوى رقم 7451، والراجح منها قول جمهور الفقهاء بأن سنّ البلوغ ـ سواء للذكر أو الأنثى ـ هو استكمال خمس عشرة سنة قمرية.
وبناء على ما سبق: فقد اتّفق الفقهاء على أنَّ مِن علامات البلوغ: 1ـ الإنزال ( أو الاحتلام). 2ـ، 3ـ والحيض، والحمل في حق الأنثى، واختلفوا في: عدِّ نبات الشعر الخشن حول العورة علامةً من علامات البلوغ أو لا، كما اختلفوا في تحديد البلوغ بالسِّن إذا لم تظهر علامةٌ مما سبق، والراجح قول جمهور الفقهاء بأن سنّ البلوغ ـ سواء للذكر أو الأنثى ـ هو استكمال خمس عشرة سنة قمرية.
ومما ذُكر يُعلم الجواب.
واللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم
هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.