عام

هل الاكتحال أو وضع مراهم العين في نهار رمضان يبطل الصيام؟

مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف

هل الاكتحال أو وضع مراهم العين في نهار رمضان يبطل الصيام؟

اختلف الفقهاء في حكم الاكتحال ـ ومثله وضع المراهم في العين ـ هل يَفسدُ به الصوم، أم لا؟ وذلك على قولين: والمختار للفتوى أن وضع الكحل أو المراهم في العين لا يُفسد الصوم، وإن وجد الصائم طعم ذلك في حلقه؛ لأن العين ليست منفذًا إلى الجوف. وبناءً عليه: إذا احتاج الصائم إلى الاكتحال أو وضع المراهم في عينه أثناء الصيام، فلا حرج عليه، ولا يفسد صومه بذلك، وإن كان الأولى له أن يؤخر ذلك إلى الليل؛ خروجًا من الخلاف.

باسْمِ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، وبعد...

فقد اختلف الفقهاء في حكم الاكتحال ـ ومثله وضع المراهم في العين ـ هل يَفسدُ به الصوم، أم لا؟ وذلك على قولين:

القول الأول: أن الاكتحال لا يُفسد الصوم، وإن وجد الصائم طعم الكحل في حلقه، وهذا مذهب السادة الحنفية، والسادة الشافعية، وهو قول بعض المالكية.

واستدلوا على ذلك بما روي "أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ وَهُوَ صَائِمٌ"[السنن الكبرى للبيهقي، ك: الصيام، ب: الصائم يكتحل، حديث رقم 8258 (4/ 436) ط: دار الكتب العلمية، وهو حديث ضعيف، ويُنظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للكاساني (2/ 93) ط: دار الكتب العلمية، والمجموع شرح المهذب، للنووي (3/ 348) ط: دار الفكر].

واستدلوا كذلك بأن العين ليست منفذًا إلى الجوف أو الدماغ، وأن ما يجده الصائم من طعم الكحل في حلقه إنما هو أثرُ الكحل، وهو داخل من المسام ـ الذي هو خلل البدن ـ والمفطر إنما هو الداخل من المنافذ؛ للاتفاق على أن من اغتسل في ماء فوجد برده في باطنه أنه لا يفطر. [يُنظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، للزيلعي (1/ 322) ط: المطبعة الكبرى الأميرية].

فعند السادة الحنفية؛ قال الإمام البابرتي رحمه الله في "العناية": "(ولو اكتحل [يعني الصائم] لم يُفطر) وإن وجد طعمَه في حلقِه؛ (لأنه ليس بين العين والدماغ منفذٌ)، فما وجد في حلقه من طعمه إنما هو أثره لا عينه، فإن قيل: لو لم يكن بينهما منفذ لما خرج الدمع؛ أجاب بأن الدمع يرتشح كالعرق؛ يعني أنه داخل من المسام، والداخل منها لا ينافي، (كما إذا اغتسل بالماء البارد) فوجد برودة الماء في كَبِدِه"[العناية شرح الهداية، للبابرتي (2/ 330) ط: دار الفكر].

وعند السادة الشافعية؛ قال الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله في "تحفة المحتاج": "(وشرط الواصل كونه في مَنفَذ) بفتح أوله وثالثه (مفتوح؛ فلا يضر وصول الدهن بتشرُّب المسامّ) جمع سَمّ بتثليث أوله، والفتح أفصح؛ وهي ثُقَب لطيفة جدًّا لا تدرك، كما لو طلى رأسه أو بطنه به، وإن وجد أثره بباطنه، كما لو وجد أثر ما اغتسل به، (ولا الاكتحال، وإن وجد) لونه في نحو نخامته و (طعمه) أي: الكحل (بحلقه)" [تحفة المحتاج في شرح المنهاج، لابن حجر الهيتمي (3/ 403) ط: المكتبة التجارية الكبرى].

وهو قول بعض السادة المالكية: فقد جاء في النوادر والزيادات: "قال ابن حبيب: قال مُطرَّفٌ، وابن عبد الحكم، وأصبغُ: لا بأسَ بالكحلِ والدُّهنِ للصائم" [النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات (2/ 44)، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط: الأولى، ويُنظر: التبصرة للخمي (2/ 742)، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، ط: الأولى].

القول الثاني: أن وضع الكُحل في العين يُفسد الصوم، إذا وصل إلى الحلق؛ فإذا علم الصائم بوصول طعم الكحل إلى حلقه؛ فقد وجب عليه القضاء، وهذا هو المختار في مذهب السادة المالكية، والمذهب عند السادة الحنابلة.

واستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم "أمر بالإثمِد المُرَوَّح [يعني: الكحل المطيَّب] عند النوم، وقال: لِيتَّقِهِ الصَّائِمُ"[سنن أبي داوود، ك: الصوم، ب: الكحل عند النوم للصائم، حديث رقم: 2377 (2/ 310) ط: المكتبة العصرية، وهو حديث ضعيف]، وبقوله صلى الله عليه وسلم: "لَا تَكْتَحِلْ بِالنَّهَارِ وَأَنْتَ صَائِمٌ، اكْتَحِلْ لَيْلًا بِالْإِثْمِدِ"[سنن الدارمي، ك: الصوم، ب: الكحل للصائم، حديث رقم 1774 (2/ 1081) ط: دار المغني، وهو حديث ضعيف، وينظر: المغني، لابن قدامة (3/ 121) ط: مكتبة القاهرة].

واستدلوا أيضًا بأن العين منفذ إلى الجوف، فإذا وصل من خلالها شيءٌ إلى الجوف فقد أفطر به الصائم، ولا فرق فيما يصل إلى المنفذ الأعلى بين أن يكون قد وصل من منفذ واسع؛ كالفم، أو غير واسع؛ كالأنف والأذن والعين. [يُنظر: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، للحطاب (2/ 425) ط: دار الفكر].

فعند السادة المالكية؛ قال الشيخ خليل رحمه الله عند بيان ما يُبطل الصوم: "وإيصال متحلل ـ أو غيره على المختار ـ لمعدةٍ بحقنةٍ بمائعٍ، أو حلقٍ، وإن من أنف وأذن وعين"[مختصر خليل، (ص 62) ط: دار الحديث].

وقال الإمام الخرشي رحمه الله في شرحه لمختصر خليل: "(ص) وإن من أنف وأذن وعين (ش) يعني: أنه لا فرق فيما يصل إلى المنفذ الأعلى بين أن يكون قد وصل من منفذ واسع؛ كالفم، أو غير واسع؛ كالأنف والأذن والعين". [شرح مختصر خليل، للخرشي (2/ 249) ط: دار الفكر للطباعة].

وجاء في "التاج والإكليل" للإمام أبي عبد الله المواق رحمه الله، عند شرحه لمبطلات الصوم في مختصر خليل، قال: "(وأذن وعين) اللخمي: اختُلف في وقوع الفطر بما يصل من العين إلى الحلق، قال في المدونة: عليه القضاء. والاكتحال جائز لمن يعلم من عادته أنه لا يصل إلى حلقه، فإن علم من عادته أنه يصل مُنِع؛ على قول من أوقع به الفطر". [التاج والإكليل لمختصر خليل، (3/ 348) ط: دار الكتب العلمية].

كما نصّ السادة المالكية على أنه لو شكّ في وصول طعم الكحل إلى حلقه، فإنه يُفطر أيضًا كما لو وجد طعمه في حلقه، قال الشيخ الدسوقي رحمه الله: "وعلم منه أن الكحل نهارًا لا يفطر مطلقًا، بل إن تحقق وصوله للحلق، أو شك فيه أفطر، فإن تحقق عدم وصوله فلا يفطر". [حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للشيخ الدردير (1/ 524)، دار الفكر].

وعند السادة الحنابلة؛ قال الإمام المرداوي رحمه الله: "قوله (أو اكتحل بما يصل إلى حلقه) فسد صومه؛ وسواء كان بكحلٍ، أو صَبِر [وهو: عصارة شجر مر، كثيرًا ما تداوى به العين] أو قُطُور [وهو: كل ما يقطر في العين] أو ذَرور [وهو: كل مل يُذر في العين للتداوي] أو إثمِدٍ مطيَّب [وهو: حجر الكحل] وهذا المذهب في ذلك كله، نصَّ عليه، وعليه أكثر الأصحاب" [الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للمرداوي (3/ 299) ط: دار إحياء التراث العربي].

والمختار للفتوى ـ والله تعالى أعلى وأعلم ـ هو القول الأول، وهو أن وضع الكحل أو المراهم في العين لا يُفسد الصوم، وإن وجد الصائم طعم ذلك في حلقه؛ لأن العين ليست منفذًا إلى الجوف أو الدماغ، ولأن ما يجده الصائم من طعم الكحل في حلقه إنما هو أثرُ للكحل، وليس عين الكحل، فهو أشبه بما بالعرق الذي يترشح ويتسرب من المسام.

وبناءً عليه: إذا احتاج الصائم إلى الاكتحال أو وضع المراهم في عينه أثناء الصيام، فلا حرج عليه، ولا يفسد صومه بذلك، وإن كان الأولى له أن يؤخر ذلك إلى الليل؛ خروجًا من الخلاف.

واللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.

هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.