هل يجب الصيام على طفل عمره 12 سنة؟
الحَمْدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...
فصومُ رمضانَ ركنٌ من أركان الإسلام، فرضه الله عز وجلّ تهذيبًا للنفوس، وتربيةً للمسلم والمسلمة على تقوى الله عز وجلّ وعمل الصالحات.
وقد اتفق الفقهاء على أن الصوم لا يجب على الصبي حتى يبلغ.
قال الإمام ابن حزم رحمه الله: "اتفقوا على أن صيام نهار رمضان على الصحيح، المقيم، العاقل، البالغ، الذي يعلم أنه رمضان، وقد بلغه وجوب صيامه وهو مسلم..." . [مراتب الإجماع، لابن حزم (ص 39)، دار الكتب العلمية، وينظر: الاختيار لتعليل المختار، للموصلي (1/ 125)، دار الكتب العلمية، والفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، للنفراوي (1/ 310)، دار الفكر، والمجموع شرح المهذب، للنووي (6/ 253)، دار الفكر، والشرح الكبير على متن المقنع، لشمس الدين ابن قدامة (3/ 14)، دار الكتاب العربي].
ودليل ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ». [سنن أبي داوود، ك: الحدود، ب: المجنون يسرق أو يصيب حدا، (4/ 141)، ح: 4403. وسنن الترمذي، ك: الحدود، ب: ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد، (4/ 32)، ح: 1423. وقال الترمذي: حديث حسن غريب].
ووجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الصبي لا تكليف عليه ولا مؤاخذة؛ حتى يحتلم ويصل إلى سن البلوغ؛ ورَفْعُ القلم: كناية عن عدم التكليف وعدم المؤاخذة. [ينظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، للعظيم آبادي (12/ 48) دار الكتب العلمية، وتحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، للمباركفوري (4/ 570) دار الكتب العلمية].
واستدلوا أيضًا بأن الصيامَ عبادةٌ بدنيةٌ، والعبادات البدنية لا تجب على الصبي إلا بعد بلوغه؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا}[النور: 59] فقد أوجب الشرعُ على الأطفال الاستئذانَ ـ وهو عبادة بدنية ـ بعد بلوغهم. [ينظر: متن الرسالة، لابن أبي زيد القيرواني (ص 60) دار الفكر، والمغني، لابن قدامة (3/ 161) مكتبة القاهرة].
واستدلوا كذلك بأن الصبي يشق عليه تفهُّمَ الخطاب وأداءَ الصوم؛ لضعف بِنْيتِه، وقصور عقله، واشتغاله باللهو واللعب؛ فأسقط الشرع عنه العبادات. [ينظر: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للكاساني (2/ 87)، دار الكتب العلمية، ط: الثانية].
والبلوغ يكون بظهور علامةٍ من علاماته؛ كالاحتلام، أو الحيض بالنسبة للفتاة... فإذا لم تظهر علامة من علامات البلوغ، فيُلجأ إلى اعتبار البلوغ بالسن.
وقد اختلف الفقهاء في تحديد البلوغ بالسِّن إذا لم تظهر إحدى علامات البلوغ، والراجح قول جمهور الفقهاء بأنه خمس عشرة سنة.
وقد تناولنا أقوالهم تفصيلًا في الفتوى رقم: 7451. ويُنظر أيضًا: فتوى رقم: 7450.
لكن على وليّ أمر الصبيّ الذي لم يبلغ وبلغ سبع سنين أن يأمره بالصيام؛ ليتعلمه ويعتاده إذا بلغ، بل ويضربه على ترك الصيام إذا أطاق الصوم؛ وهذا قول السادة الحنفية، والسادة الشافعية، والسادة الحنابلة، وخلاف المشهور عند السادة المالكية. [يُنظر: التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب (2/ 374)، مركز نجيبويه للمخطوطات، ط: الأولى].
واستدلوا على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ". [سنن أبي داوود، ك: الصلاة، ب: متى يؤمر الغلام بالصلاة؟ (1/ 133)، ح: 495 ].
وقد قاس جمهور الفقهاء الصومَ على الصلاة؛ فيؤمر الصبيُّ بالصيام لسبع سنين، ويُضرب عليه إذا تركه لعشر سنين وكان مطيقًا له، قادرًا عليه، وذلك؛ ليتمرن على الصيام ويعتاده إذا بلغ؛ كما يتمرن على الصلاة ويعتادها، وقالوا: اعتبارُ الصوم بالصلاة أحسن؛ لقرب إحداهما من الأخرى في كونهما عبادتين بدنيتين من أركان الاسلام؛ إلا أن الصومَ أشقُّ؛ فاعتُبِرت له الطاقة؛ لأنه قد يُطيق الصلاةَ مَن لا يُطيق الصيام. [ينظر: الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار، (ص: 52)، دار الكتب العلمية، ط: الأولى، وتحفة المحتاج في شرح المنهاج، (3/ 429)، المكتبة التجارية الكبرى، والشرح الكبير على متن المقنع، (3/ 14)، دار الكتاب العربي].
-قال الإمام ابن عابدين رحمه الله: "(قوله: ويؤمر الصبي) أي يأمرُه وليُّه أو وصيُّه، والظاهر منه الوجوب، وكذا ينهى عن المنكرات؛ ليألف الخير ويترك الشر، ط (قوله: إذا أطاقه) يقال: أطاقه وطاقه طوقًا إذا قدر عليه، والاسم الطاقة كما في القاموس، قال ط: وقدر بسبع، والمشاهد في صبيان زماننا عدم إطاقتهم الصوم في هذا السن. اهـ. قلت: يختلف ذلك باختلاف الجسم واختلاف الوقت صيفًا وشتاء، والظاهر أنه يؤمر بقدر الإطاقة إذا لم يطق جميع الشهر (قوله: ويضرب) أي بيدٍ، لا بخشبة، ولا يجاوز الثلاث كما قيل به في الصلاة، وفي أحكام الأسروشني: الصبي إذا أفسد صومه لا يقضي؛ لأنه يلحقه في ذلك مشقة بخلاف الصلاة فإنه يؤمر بالإعادة؛ لأنه لا يلحقه مشقة. [حاشية ابن عابدين (رد المحتار) على الدر المختار (2/ 409)، دار الفكر _ بيروت، ط: الثانية].
-وقال الإمام الرملي رحمه الله: "(ويؤمر به الصبي لسبعٍ إذا أطاق) وميَّز، ويُضرب على تركه لعشر؛ ليتمرن عليه، والصبية كالصبي، والأمر والضرب واجبان على الوليّ، كما مر في الصلاة، خلافًا للمحب الطبري حيث فرّق بينهما". [نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (3/ 185)، دار الفكر - بيروت].
وعند السادة الحنابلة؛ يقول الإمام البهوتي رحمه الله: "(ولا) يجب (على صغير) ولو مراهقًا ... (ويصح) الصوم (من مميِّز) كصلاته (ويجب على وليه) أي المميز (أمْرُه به إذا أطاقه وضَرْبُه حينئذ عليه) أي: الصوم (إذا تركه؛ ليعتاده) كالصلاة إلا أن الصومَ أشقُّ، فاعتبرت له الطاقة؛ لأنه قد يطيق الصلاة من لا يطيق الصيام"[كشاف القناع عن متن الإقناع، (2/ 308)، دار الكتب العلمية].
وبناءً على ما سبق: فإذا كان الطفل الذي عمره اثنا عشر عامًا (12 سنة) قد ظهر عليه إحدى علامات البلوغ فهو بالغ ويجب عليه الصوم، وإن لم تظهر عليه أي علامة من علامات البلوغ -كالاحتلام أو الحيض بالنسبة للفتاة- فلا يجب عليه الصوم؛ لأنه غير مخاطب بالتكاليف الشرعية، وذلك حتى تظهر عليه إحدى علامات البلوغ، أو يستكمل الطفل خمسة عشر عامًا؛ فإنه يُعتبر بذلك بالغًا، ومكلّفًا بالصوم على الراجح.
أما صيامه قبل البلوغ؛ فإنه يستحب له أن يصوم؛ بل يجب على وليِّه أن يأمره بالصوم في سنّ السابعة، ويضربه على ترك الصيام في سنّ العاشرة إذا أطاق الصوم وقدر عليه؛ وذلك ليعتاده، ويتمرّن عليه.
واللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم
هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.