بِاسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدُ...
فالجَنابة وصفٌ للرَّجل والمرأة إذا حصل منهما جماعٌ، أو حدث نزول للمَنِيِّ بشهوةٍ ولو من غير جِماع، وقد اختلف الفقهاء في حكم قراءة الجنب للقرآن الكريم، على قولين:
القول الأوَّل: وهو تحريم قراءة القرآن للجُنُب إذا كانت بقصد التِّلاوة، وهو رأي جمهور الفقهاء من الحنفيَّة والمالكيَّة والشَّافعيَّة والحنابلة. [الاختيار لتعليل المختار، (1/ 13)، مطبعة الحلبي – القاهرة، وينظر: مختصر خليل، تح: أحمد جاد، صـ 23، دار الحديث، ط: الأولَى، والمجموع شرح المهذَّب، (2/ 162)، دار الفكر، والشَّرح الكبير، للإمام أبي الفرج ابن قدامة، (1/ 107، 108)، أشرف على طباعته: محمد رشيد رضا، دار الكتاب العربيّ].
واستدلُّوا على ذلك بما أخرجه الإمام التِّرمذيُّ رَحِمَهُ اللهُ في سننه عن سيِّدنا ابن عمر رضي الله عنهما عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قال: «لَا تَقْرَأِ الحَائِضُ، وَلَا الجُنُبُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ» [سنن التِّرمذيِّ، تح: بشَّار عوَّاد، ح: (131)، أبواب: الطَّهارة، ب: ما جاء في الجنب والحائض...، (1/ 194)].
لذا فقد اتَّفق جمهور الفقهاء على حُرمة قراءة القرآن للجُنُب إذا كان بقصد التِّلاوة، أمَّا إذا كان بغير قصد التِّلاوة كأن قرأ البسملة في افتتاح أمرٍ ما، أو قرأ بعضه بقصد الدُّعاء، أو التَّحصُّن، أو الذِّكر، أو جرَى على لسانه من غير قصدٍ، فلا يَحرُم، يقول الإمام ابن القطَّان رَحِمَهُ اللهُ: "وأجمعوا على أنَّ الجنب والحائض لهما أن يسمِّيا الله تعالى، ويذكرانه" [الإقناع في مسائل الإجماع، تح: حسن فوزي الصعيدي، (1/ 320)، الفاروق الحديثة للطِّباعة والنَّشر، ط: الأولَى].
وقد بيَّنَ السَّادة الشَّافعيَّة أنَّه يحرُم على الجنب قراءة القرآن، قليلًا كان أو كثيرًا، وذلك إذا كان بقصد التِّلاوة، حتَّى لو قرأ على سبيل الاحتجاج والاستدلال فلا يجوز؛ لأنَّه يقصد القرآن.
أمَّا إذا لم يقصد القرآن، كأن قُصِدَ بالقراءة الذِّكر، أو جرى على اللِّسان من غير قصدٍ، فلا يحرُم، ومثال ما يقصد به الذِّكر أن يقول عند الأكل: بسم الله الرَّحمن الرَّحيم، أو عند الرُّكوب: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزُّخرف:13].
يقول الإمام النَّوويُّ رَحِمَهُ اللهُ: "قد ذكرنا أنَّه يحرُم على الجُنب والحائض والنُّفَساء قراءة شيءٍ من القرآن وإن قلَّ حتَّى بعض آيةٍ، ولو كان يكرِّر في كتاب فقهٍ أو غيره فيه احتجاجٌ بآيةٍ حرم عليه قراءتها، ذكره القاضي حسين في الفتاوى؛ لأنَّه يقصد القرآن للاحتجاج. قال أصحابنا: ولو قال لإنسانٍ: {خُذ الكِتَابَ بقوَّة} ولم يقصد به القرآن جاز وكذا ما أشبهه، ويجوز للجنب والحائض والنُّفساء في معناه أن تقول عند المصيبة: {إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون} إذا لم تقصد القرآن. قال أصحابنا الخُرَاسانيون: ويجوز عند ركوب الدَّابة أن يقول: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} لا بقصد القرآن ... قال القاضي حسين وغيره: ويجوز أن يقول في الدُّعاء: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}، قال إمام الحرمين ووالده الشَّيخ أبو محمَّد والغزاليُّ في البسيط: إذا قال الجنب: باسم الله أو الحمد لله، فإن قَصَد القرآن عَصا، وإن قصد الذِّكر لم يَعصِ، وإن لم يقصد واحدًا منهما لم يعصِ أيضًا قطعًا؛ لأنَّ القصد مرعيٌّ في هذه الأبواب" [المجموع شرح المهذَّب، (2/ 162)، دار الفكر].
القول الثَّاني: يجوز قراءة القرآن للجنب مُطلقًا، وبه قال الظَّاهريَّة، وهو اختيار الإمام الشَّوكانيِّ رَحِمَهُ اللهُ، واستدلُّوا على ذلك بحديث السَّيِّدة عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ «كَانَ يَذْكُر اللهَ عَلَى كُلِّ أحيَانِه» [صحيح مسلم، ح: (373)، ك: الحيض، ب: ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها، (1/ 282)]، قالوا: القرآن ذِكرٌ؛ ولأنَّ الأصل عدم التَّحريم، وكذلك ضعَّفوا الأحاديث الَّتي استدلَّ بها الجمهور.
قال الإمام ابن حزمٍ رَحِمَهُ اللهُ: «وقراءةُ القرآنِ والسُّجودُ فيه، ومسُّ المصحفِ، وذكرُ الله تَعَالَى جائزٌ، كلُّ ذلك بوضوءٍ وبغير وضوءٍ، وللجنب والحائض ... وقد جاءت آثارٌ في نهي الجنب ومن ليس على طُهرٍ عن أن يقرأ شيئًا من القرآن، ولا يصحُّ منها شيءٌ» [المحلَّى بالآثار، (1/ 94)، دار الفكر – بيروت. ويُنظر: نيل الأوطار، تح: عصام الدِّين الصّبابطي، للشَّوكانيّ، (1/ 283، 284)، دار الحديث، مصر، ط: الأولَى].
وبِنَاءً على ما سبق: فإنَّ الأَوْلَى بالقبول هو قول الجمهور القائل بحُرمة قراءة الجُنُبِ للقرآن الكريم بقصد التَّلاوة، وهو ما عليه الفتوَى، وقراءة القرآن الكريم بغير قصد التلاوة وإنما بقصد الذكر لا حرمة فيه. ولمعرفة المزيد حول هذا الحكم يمكنكم الاطلاع على فتوى رقم: (224).
على أننا ننصح السائل الكريم بأن يُسارع في رفع الجنابة بالطَّهارة والغُسل قدر المستطاع؛ ليتمكَّن من أداء العبادات والشَّرائع الَّتي يُشترط لها الطَّهارة، ولْيُحصِّل فضل المحافظة على الطَّهارة والبقاء عليها، فالله عَزَّ وَجَلَّ يقول: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]، ولمعرفة صفة الغُسل من الجنابة يمكنكم الاطلاع على الفتوى رقم: (154).
وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.