أحكام الجنابة والحيض والنفاس

ما حكم قراءة الحائض للقرآن بصوت بدون مس المصحف (من الموبيل أو بحائل)؟

مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف

بِاسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدُ...

فالحيض شيءٌ قد كتبه الله تَعَالَى على المرأة في أصل خلقتها، وهو مِن كمال أنوثتها، قال صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ». [مُتَّفقٌ عليه: صحيح البخاريِّ، ح: (305) - صحيح مسلم، ح: (1211)].

وقد مَنَعَ الشَّرع الشَّريف المرأةَ أثناء فترة حيضها من بعض العبادات، ومن ذلك: مسّ المصحف.

أما قراءتُها للقرآن الكريم دون مس المصحف: فقد اختلف فيه الفقهاء:

فذهب جمهور الفقهاء من: السَّادة الحنفيَّة، والسَّادة الشَّافعيَّة، والمعتمَد عند السَّادة الحنابلة- إلى أنَّه لا يجوز للمرأة أن تقرأ القرآن أثناء الحيض، إلَّا ما كان منها على سبيل الذِّكر، والدُّعاء، والرُّقى، ونحو ذلك.

يقول الإمام السَّرخسيُّ الحنفيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "وأمَّا الأحكام الَّتي تتعلَّق بالحيض عشرة أو أكثر: منها أنَّ الحائض لا تقرأ القرآن" [المبسوط، (3 /152)]، ويُنظر: ["المجموع شرح المهذَّب، (2 /357)"، و"كشاف القناع، (1 /197)"].

واستدلُّوا على ذلك بأدلَّةٍ، منها:

ما ورد عن أمِّ المؤمنين السَّيِّدةِ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قالت: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ القُرْآنَ، وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِي، وَأَنَا حَائِضٌ» [متّفقٌ عليه: صحيح البخاريِّ، ح: (7549)- صحيح مسلم، ح: (301)].

ووجه الدّلالة من هذا الحديث: وضع سيِّدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ رأسه في حجر السَّيِّدة عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وهي حائض؛ ففي هذا الفعل إشارةٌ إلى أنَّ الحائض لا تقرأ القرآن؛ لأنَّ قراءتها لو كانت جائزةً لما تُوهِّم امتناع القراءة في حجرها حتَّى احتيج إلى التَّنصيص عليها. يُنظر: [فتح الباري، (1/ 402)].

بينما ذهب السَّادة المالكيَّة والسَّادة الظَّاهريَّة إلى جواز قراءة الحائض للقرآن، وهو قولٌ عند السَّادة الحنابلة.

قال الشَّيخ عليش المالكيُّ رَحِمَهُ اللهُ عن الحيض: "ولا يَمنعُ القراءةَ بلا مسِّ مصحفٍ" [منح الجليل شرح مختصر خليل، (1 /176)]، ويُنظر: ["المحلَّى بالآثار، (1 /95)"، و"الإنصاف في معرفة الرَّاجح من الخلاف، (1 /243)"].

واستدلُّوا بالحديث الَّذي ورد عن أمِّ المؤمنين السَّيِّدةِ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أنَّها قالت: قَدِمتُ مكَّة وأنا حائضٌ، ولم أطُف بالبيت، ولا بين الصَّفا والمروة، قالت: فشكوتُ ذلك إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، قال: «افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». [متَّفقٌ عليه: صحيح البخاريِّ، ح: (1650)- صحيح مسلم، ح: (1211)].

ووجه الدّلالة من هذا الحديث: أنَّ قراءة القرآن ممَّا يفعله الحاجُّ، ومِن ثَمَّ فيجوز للحائض فعله. يُنظر: [طرح التَّثريب في شرح التَّقريب، (5/ 123)].

وللسَّادة المالكيَّة بعض التَّفصيل في المسألة؛ حيث ذكروا أنَّه يجوز للحائض قراءة القرآن الكريم طوال فترة الحيض، إلَّا إذا انقطع عنها الدَّم ولم تغتسل، فيحرم عليها قراءة القرآن من وقت انقطاع الدِّم إلى أن تغتسل، وذلك؛ لأنَّ رفع الحدث بعد انقطاع الدَّم ودخولها في حكم الطَّاهرات أصبح بيدها، فتقاس في هذه الفترة -فقط- على الجنب، بجامع أنَّ كلًّا منهما يتمكَّن من رفع الحدث عنه. يُنظر: [بلغة السَّالك لأقرب المسالك، (1 /216)].

والمعمول به من القولين: هو قول جمهور الفقهاء بعدم جواز قراءة الحائض للقرآن؛ احتياطًا للعبادة، إلا أن المرأة الحائض متى وجدت مشقةً في ذلك، أو احتاجت إلى قراءة القرآن؛ للتعلُّم، أو خشية النسيان- فلا حرج عليها في تقليد قول السادة المالكية ومَن وافقهم، وذلك دون مسِّ المصحف، فإمَّا أن تحمله بحائلٍ، أو أن تقرأ من خلال الوسائل الأخرى كالهاتف أو التابلت، ونحو ذلك، ولا حرج عليها في ذلك إن شاء الله تَعَالَى.

وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.