أحكام الجنابة والحيض والنفاس

ما حكم قراءة القرآن الكريم من التابلت (الكمبيوتر اللوحي) في مدة الحيض؟

مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف

بِاسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدُ...

فالحيض هو نزول الدَّم من رَحِم المرأةِ، في مدةٍ معيَّنةٍ من كلِّ شهرٍ، في غير مرضٍ، ولا صِغَر. يُنظر: [التَّعريفات، ص: (94)].

وهو شيءٌ قد كتبه الله تَعَالَى على النِّساء في أصل خلقتها، وهو مِن كمال أنوثتها، قال صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ» [مُتَّفقٌ عليه: صحيح البخاريِّ، ح: (305)- صحيح مسلم، ح: (1211)، والَّلفظ لمسلم].

وقد حرَّم الشَّرع الشَّريف على المرأة أثناء مدة الحيض بعض الأشياء، اتَّفق الفقهاء على أكثرها، واختلفوا في بعضها، وممَّا اختلفوا فيه: حكم قراءة القرآن الكريم للحائض.

فقد ذهب جمهور الفقهاء من السَّادة الحنفيَّة، والسَّادة الشَّافعيَّة، والمعتمَد عند السَّادة الحنابلة إلى أنَّه لا يجوز للمرأة أن تقرأ القرآن أثناء الحيض، إلَّا ما يخرج منها على سبيل الذِّكر: كالدُّعاء، ونحوه. ينظر: ["المبسوط، (3 /152)"، و"المجموع شرح المهذَّب، (2/357)"، و"كشاف القناع عن متن الإقناع، (1/197)"].

واستدلُّوا على ذلك بأدلَّةٍ، منها:

* ما روي عن سيِّدنا ابن عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قال: «لَا تَقْرَأِ الحَائِضُ، وَلَا الجُنُبُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ» [سنن التِّرمذيِّ، ح: (131). وضعَّفه الإمام التِّرمذيُّ وغيره].

ويُستدلُّ بهذا الحديث على أنَّه لا يجوز للجُنُب ولا للحائض قراءة شيءٍ من القرآن، قليلًا كان، أو كثيرًا. [تحفة الأحوذي بشرح جامع التِّرمذيِّ، (1 /346)].

بينما ذهب السَّادة المالكيَّة والسَّادة الظَّاهريَّة إلى جواز قراءة الحائض للقرآن، وهو قولٌ عند السَّادة الحنابلة. ينظر: ["منح الجليل شرح مختصر خليل، (1 /176)"، و "المحلَّى بالآثار، (1/ 95)"، و"الإنصاف في معرفة الرَّاجح من الخلاف، (1/ 243)"].

واستدلُّوا بالحديث الَّذي ورد عن أمِّ المؤمنين السَّيِّدةِ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أنَّها قالت: قَدِمتُ مكَّة وأنا حائضٌ، ولم أطُف بالبيت، ولا بين الصَّفا والمروة، قالت: فشكوتُ ذلك إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، قال: «افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي». [متَّفقٌ عليه: صحيح البخاريِّ، ح: (1650)- صحيح مسلم، ح: (1211)].

ووجه الدّلالة من هذا الحديث: أنَّ قراءة القرآن ممَّا يفعله الحاجُّ، ومِن ثَمَّ فيجوز للحائض فعله. يُنظر: [طرح التَّثريب في شرح التَّقريب، (5/ 123)].

وللسَّادة المالكيَّة بعض التَّفصيل في المسألة؛ حيث ذكروا أنَّه يجوز للحائض قراءة القرآن الكريم طوال مدة الحيض، إلَّا إذا انقطع عنها الدَّم ولم تغتسل، فيحرم عليها قراءة القرآن، من وقت انقطاع الدِّم إلى أن تغتسل؛ وذلك لأنَّ رفع الحدث بعد انقطاع الدَّم، ودخولها في حكم الطَّاهرات- أصبح بيدها، فتقاس في هذه المدة- فقط- على الجُنُب، بجامع أنَّ كلًّا منهما يتمكَّن من رفع الحدَث عنه. ينظر: [بلغة السَّالك لأقرب المسالك، (1/ 216)].

والمعمول به في الفتوى هو قول جمهور الفقهاء بعدم جواز قراءة الحائض للقرآن؛ احتياطًا للعبادة، إلا أن المرأة الحائض متى وجدت مشقةً في ذلك أو احتاجت إلى قراءة القرآن للتعلُّم أو خشية النسيان- فلا حرج عليها في تقليد قول السادة المالكية ومن وافقهم، وذلك دون مسِّ المصحف، فإمَّا أن تحمله بحائلٍ، أو أن تقرأ من خلال الوسائل الأخرى كالهاتف، أو التابلت، ونحو ذلك، ولا حرج عليها في ذلك إن شاء الله تَعَالَى.

وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.