عام

كيف يصل ثواب قراءة القرآن للميت؟

مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف

كيف يصل ثواب قراءة القرآن للميت؟

جمهور الفقهاء على أنَّ الميت يصل إليه ثواب قراءة القرآن، وينتفع بالقراءة إن قُرئ القرآن بحضرته، سواء أهدى القارئ له ذلك أم لا . وأن القارئ إذا جعل قراءته دعاءً بأن قال: (اللهم اجعل ثواب ما أقرأه أو قرأتُه لفلان) فإن ثواب ذلك يصل إلي الميت؛ لأنَّ محل القراءة تنزل فيه الرَّحمة والبركة، والدُّعاء عقبها أرجى للقبول.

بِاسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدُ...

فقد بيَّن الشَّرع الشَّريف فضل قراءة القرآن الكريم، وعظيم أجر قارئه، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} [سورة فاطر: 29]؛ وعن سيدنا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ سيدنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ (آلم) حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ» [سنن الترمذي، ك: أبواب فضائل القرآن، ب: ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن ماله من الأجر، ح: (2910)، ت: شاكر، وقال الإمام الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه].

وكما أنَّ قراءة القرآن ينتفعُ بها المسلم الحي، فإن ثواب القراءة ينتفع بها أيضًا منْ مات من المسلمين، ويصل إليه على القول المختار للفتوى، وهو قول جمهور الفقهاء من السَّادة الحنفيَّة، ومتأخِري السَّادة المالكيَّة، والسَّادة الحنابلة في المذهب عندهم، ووجهٌ عند السَّادة الشَّافعيَّة، وهو اختيار الإمامُ النَّوويُّ رحمه الله وجماعةٌ، ولمزيد من التفصيل يرجى الاطلاع على فتوى رقم: (2013).

أمَّا عن كيفية وصول ثواب قراءة القارئ للميت، فهناك حالتان:

الحالة الأولى: إذا قُرئ القرآن بحضرة الميت، فإنَّ الميت ينتفع بالقراءة بحكم المجاورة، سواء أهدى القارئ له ذلك أم لا، فتحصل للميت بركة القراءة، وهو مذهب جمهور الفقهاء.

جاء في منح الجليل: "ومنهم منْ قال يَحصُلُ للميت ثواب الاستماع ... والظَّاهر حُصُولُ بركة القراءة لحصولها بمجاورة الرجل الصالح، ولا تتوقف على التكليف، فقد حصلت بركة رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للخيل والدواب وغيرهما، كما ثبت بالجملة، فينبغي أن لا يهمل أمر الموتى من القراءة، فلعل الواقع في ذلك هو الوصول لهم ... ويعتمد على فضل الله تعالى وسعة رحمته" [منح الجليل شرح مختصر خليل، للشيخ عليش،(1/ 510)، ط: دار الفكر – بيروت، وينظر: "حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح، ص: (624)، ط: دار الكتب العلمية بيروت - الأولى 1418هـ"، و"تحفة المحتاج في شرح المنهاج، لابن حجر الهيتمي، (7/ 74-75)، ط: المكتبة التجارية الكبرى بمصر- وينظر: روضة الطالبين وعمدة المفتين، للإمام النووي، (2/ 139)، ط: لمكتب الإسلامي، بيروت- الثالثة، 1412هـ"، و"الفروع وتصحيح الفروع، لابن مفلح، (3/ 422)، ط: مؤسسة الرسالة- الأولى، 1424 هـ"].

أمَّا الحالة الأخرى: إذا قُرئ القرآن لا بحضرة الميت، فقد بيَّن الفقهاء كيفية انتفاع الميت بالقراءة على التفصيل اللآتي:

فالسَّادة الحنفيَّة: قالوا بوصول ثواب قراءة القرآن إلى الميت، سواء نوى القارئ ذلك عند الفعل أو فعله لنفسه ثم وهبه بعد ذلك. [ينظر: رد المحتار على الدر المختار، (2/ 243)، ط: دار الفكر-بيروت، الثانية، 1412هـ].

والسَّادة المالكيَّة: الرَّاجح عندهم وصول ثواب قراءة القرآن للميت، إن نوى القارئ ذلك ابتداءً، فإن قرأ ثم وَهَب لم يصل إليه على خلاف عندهم، ثم اتفقوا أنَّ القراءة لو خرجت مخرج الدعاء وصل إليه باتفاق، بأن يقول القارئ قبل قراءته: (اللهم اجعل ثواب ما أقرأه أو قرأتُه لفلان) وجاز من غير خلاف. [ينظر: شرح مختصر خليل، للخرشي، (2/ 137)، ط: دار الفكر للطباعة بيروت، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير، (1/ 423)، ط: دار الفكر].

والسَّادة الشَّافعيَّة: المختار عندهم وصول ثواب قراءة القراءة إلى الميت إذا سأل القارئ ذلك من الله تعالى بأن يقول: (اللهم أوصل ثواب ما قرأناه أو ما قرأتُه لفلان). [ينظر: المجموع شرح المهذب، (15/ 522)، ط: دار الفكر، تكملة: الشيخ المطيعي، نهاية المحتاج في شرح المنهاج، شهاب الدين الرملي، (6/ 93)].

والسَّادة الحنابلة: المختار عندهم أنَّ الميت ينتفع بسائر القرب التي يفعلها الإنسان له، إذا نوى ثوابها للميت على خلاف عندهم في تقديم النيّة، أو جعلها مقارنة لللفعل، أو ينويها بعد القراءة، كما يُستحب عندهم إهداء الثواب. [ينظر: دقائق أولي النهى لشرح المنتهى، (1/ 385)، ط: عالم الكتب- الأولى، 1414هـ، وغاية المنتهى في جمع الإقناع والمنتهى، مرعي الكرمي، (1/ 286)، ط: مؤسسة غراس الكويت، الأولى، 1428 هـ].

وبناءً ما سبق: فالجمهور على أنَّ الميت ينتفعُ بقراءة القرآن إن كانت بحضرته، وأن القارئ إذا جعل قراءته دعاءً بأن قال: (اللهم اجعل ثواب ما أقرأه أو قرأتُه لفلان) فإن ثواب ذلك يصل إلي الميّت على قول جمهور الفقهاء. وللمزيد من التفصيل حول هذا الجكم يمكنكم الاطلاع على فتوى رقم: (2104).

وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.

هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.