هل يجب في الغسل تدليك جسمي؟ أم يكفي تعميم الجسم بالماء؟
بِاسْمِ اللهِ، وَالحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَعْدُ...
فالدَّلْك في لغة العرب يدلُّ على زوال شيءٍ عن شيءٍ، ولا يكون إلَّا برفقٍ، ومنه: دلَكْتُ الشَّيء، وذلك أنَّك إذا فعلتَ ذلك لم تَكد يدُك تستقرُّ على مكانٍ دون مكان [مقاييس الُّلغة، لابن فارس، (2/298)، مادة: (دَلَكَ)، ط: دار الفكر].
والمراد به شرعًا: إمرارُ عضوٍ أو غيره على المغسول- أي على ظاهر الجسد- [منح الجليل شرح مختصر خليل، للشَّيخ عليش، (1/127)، دار الفكر – بيروت].
وقد اختلف الفقهاء في حكم الدَّلك أثناء الغُسل على قولين:
القول الأوَّل: الدَّلك فرضٌ من فرائض الغُسل، لا يتمُّ إلَّا به، ولا يسقط إلَّا عند العجز عنه. وهو مشهور مذهب السَّادة المالكيَّة.
واستدلُّوا على ذلك بأدلَّةٍ، منها:
* ما رُويَ عن سيِّدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَبُلُّوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ» [السُّنن الكبرَى، للإمام البيهقيِّ، ح: (849)، جماع أبواب الغسل من الجنابة، ب: فرض الغسل، (1/276). قال عنه الإمام الشَّافعيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "ليس بثابت"].
ووجه الدّلالة: أنَّ الإنقاء صفةٌ زائدةٌ على إيصال الماء، لا تتحقَّق إلَّا بالدَّلك [يُنظر: الإشراف على مسائل نكت الخلاف، للقاضي البغدادي، (1/125) ، دار ابن حزم، ط: الأولَى].
* أنَّ سيِّدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَ السَّيِّدة عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا الغُسلَ مِن الجنابةِ، فكان ممَّا قال لها: «... أَفْرِغِي عَلَى جِلْدِكِ، ثُمَّ أَمَرَهَا تَدْلُكُ وَتَتَّبِعُ بِيَدِهَا كُلَّ شَيْءٍ لَمْ يَمَسَّهُ الْمَاءُ مِنْ جَسَدِهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ أَفْرِغِي عَلَى رَأْسِكِ الَّذِي بَقِيَ ثُمَّ اُدْلُكِي جِلْدَكِ وَتَتَّبِعِي» [أخرجه ابن حزم في المحلَّى، (1/ 177، 278)، دار الفكر- بيروت. وقال: "ساقط"].
ووجه الدّلالة: أنَّ الأمر في الحديث على الوجوب، ولأنَّ عليه إيصال الماء إلى جسده على وجهٍ يُسمَّى غسلًا [يُنظر: الجامع لمسائل المدونة، لأبي بكر الصّقلي، (1/221، 222)، دار الفكر، ط: الأولَى. ومواهب الجليل في شرح مختصر خليل، للحطَّاب الرُّعيني المالكيّ، (1/218)، دار الفكر، ط: الثَّالثة].
* كما دلَّلوا على وجوب الدَّلك بأنَّ الغَسل أحد نوعي الطَّهارة فوجب أن يلزم فيه إمرار اليدِّ كالمسح [ينظر: الإشراف على مسائل نكت الخلاف، (1/125)].
يقول الشَّيخ عليش رَحِمَهُ اللهُ: "وواجبه (دلكٌ) أي إمرار عضوٍ أو غيره على المغسول، وهو داخلٌ في معنى الغسل الَّذي هو الإيصال مع الدَّلك، فهو واجبٌ لنفسه لا للإيصال فتُغني عنه فريضة الغسل" [منح الجليل شرح مختصر خليل، (1/127)، دار الفكر – بيروت].
ويقول الشَّيخ الدَّردير رَحِمَهُ اللهُ: "الفريضة الرَّابعة- يعني من فرائض الغسل-: الدَّلك، وهو هنا إمرار العضو على ظاهر الجسد، يدًا أو رِجلًا، فيكفي دَلك الرِّجل بالأخرَى" [حاشية الصَّاوي على الشَّرح الصَّغير، (1/ 167)، دار المعارف].
وكيفيَّة التَّدليك عندهم أن يكون بإمرار اليدِّ على العضو المغسول، ويجوز للمغتسِل أن يتدلَّك بخرقةٍ، كما يجوز له- عند عدم القدرة- أن يُنيب غيره (كزوجته) للدَّلك، فإن تعذَّر عليه الدَّلك باليدِّ والخرقة والاستنابة سقط وجوبه، ويكفي التَّعميم بالماء [يُنظر: منح الجليل شرح مختصر خليل، (1/127)]. وذهب بعض السَّادة المالكيَّة إلى سقوط التَّدليك إذا تعذَّر باليدِّ، ولا تجب الاستنابة، يقول المنشليليّ المالكيّ رَحِمَهُ اللهُ: "ومتَّى تعذَّر التَّدليك باليدِّ سقط، ولا تجب استنابةٌ ولا غيرها" [خلاصة الجواهر الزَّكيَّة في فقه المالكيَّة، صـ 12، طبعة: المجمع الثَّقافي، أبو ظبي].
القول الثَّاني: الدَّلك من سَنن الغُسل، وليس بواجبٍ. وهو مذهب السَّادة الحنفيَّة، والشَّافعية، والحنابلة، والظَّاهريَّة.
واستدلُّوا على ذلك بأنَّ الأحاديث الواردة في صفة الغُسل ليس فيها ذِكر التَّدلُّك، ومنها:
* ما روته أمُّ المؤمنين السَّيِّدةُ عائشةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عن صفة غسلِ سيِّدنا رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اغتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اغتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعرَهُ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّه قَد أَروَى بَشرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيهِ المَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» [صحيح البخاريّ، ح: (272)، ك: الغسل، ب: تخليل الشَّعر...، (1/63)].
* وما روته رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أنَّها قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اغتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ دَعَا بِشَيْءٍ نَحوَ الحِلَابِ- الإناء الَّذي يُحلب فيه-، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، بَدَأَ بِشقِّ رَأسِهِ الأَيمَنِ، ثُمَّ الأَيسَرِ، ثُمَّ أَخَذَ بِكَفَّيهِ، فَقَالَ- أي: أَفْرَغَ- بِهِمَا عَلَى رَأسِهِ- أي: من الماء-» [صحيح مسلم، ح: (318)، ك: الحيض، ب: صفة غسل الجنابة، (1/255)].
* وما جاء عن سيِّدنا أبي ذرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ المُسْلِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ» [أخرجه التِّرمذيُّ، ح: (124)، ك: الطَّهارة، التَّيمُّم للجنب إذا لم يجد الماء، (1/211)، وقال: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ"].
* وإنَّ مِن أقوى ما يُستدلُّ به على عدم فرضيَّة الدَّلك في الغُسل ما جاء في حديث أمِّ المؤمنين السَّيِّدة أم سلمة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالت: قلت: يا رسول الله إنِّي امرأةٌ أَشُدُّ ضَفر رأسي فأنقضه لغُسل الجنابة؟ قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» [صحيح مسلم، ح(330)، ك: الحيض، ب: حكم ضفائر المغتسلة، (1/259)].
ووجه الدّلالة من هذه الأحاديث: حصر سيِّدنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شروط الطَّهارة فيها، ولو كان الدَّلك واجبًا لَمَا ترك ذكره، وقد ذكر الإفاضة فقط، يقول الإمام ابن حزم الظَّاهريُّ رَحِمَهُ اللهُ: "جاءتْ الآثارُ كلُّها في صفة غُسْلِهِ عليه السَّلامُ، لا ذِكْرَ للتَّدلُّك في شيءٍ من ذلك" [المحلَّى بالآثار، (1/ 277)].
يقول الإمام السَّرخسيُّ الحنفيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "والدَّلك في الاغتسال ليس بشرطٍ" [المبسوط، (1/45)، دار المعرفة - بيروت].
ويُبيِّن الإمام النَّوويُّ رَحِمَهُ اللهُ مذهب السَّادة الشَّافعيَّة في الدَّلك، فيقول: "مذهبنا أنَّ دلك الأعضاء في الغُسل وفي الوضوء سنَّةٌ ليس بواجبٍ، فلو أفاض الماء عليه فوصل به ولم يمسَّه بيديه أو انغمس في ماءٍ كثيرٍ أو وقف تحت ميزابٍ أو تحت المطر ناويًا فوصل شعرَه وبَشَرَه أجزأه وضوءُهُ وغسلُهُ" [المجموع شرح المهذَّب، (2/ 185)، ط: دار الفكر].
ويقول الإمام أبو الفرج ابن قدامة الحنبليُّ رَحِمَهُ اللهُ: "ويُستحبُّ إمرارُ يدِه على جسدِه في الغُسل والوضوءِ، ولا يجبُ إذا تَيَقَّنَ أو غَلَب على ظنِّه وصول الماء إلى جميعِ جسدِه" [الشَّرح الكبير، (2/131)، هجر- القاهرة، ط: الأولَى].
وبِناءً على ما سبق: فالرَّاجح- والله تَعَالَى أَعْلَم- أنَّ الدَّلك من سنن الغُسل كما ذهب جمهور الفقهاء؛ وذلك لقوة ما استدلُّوا به، فليس الدَّلك من فرائض الغُسل وشروطه، فمَن تركه صحَّ غسله إذا حقَّق أركانه وشروطه، ويُستحب للمغتسل أن يقوم به؛ للمحافظة على السُّنَّة، وخروجًا من الخلاف، عملًا بالقاعدة الفقهيَّة: "الخروج من الخلاف مستحبٌ" [الأشباه والنَّظائر، للسُّيوطي، صـ: 136، دار الكتب العلميَّة، ط: الأولَى].
ولمعرفة الكيفيَّة الصَّحيحة الكاملة للغسل؛ يمكنكم الاطلاع على الفتوى رقم 154
وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.
هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.