ما حكم ابتلاع الصائم من ماء المضمضة أثناء نهار رمضان؟ وهل يجب الصيام على طفل عمره 12 سنة؟
الحَمْدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...
فقد حثّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على المضمضة والاستنشاق في الوضوء، بل والمبالغة فيهما، إلا للصائم؛ خشية أن يسبقه الماء إلى حلقه.
فإذا تعمَّد الصائم ابتلاعَ ماء المضمضة في نهار رمضان، وكان ذاكرًا لصومه، عالمًا بالتحريم: فقد فسد صومه باتفاق الفقهاء، وعليه القضاء.
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: "في هذه المسألة فصول: أحدها: أنه يفطر بالأكل والشرب بالإجماع، وبدلالة الكتاب والسنة... وأجمع العلماء على الفطر بالأكل والشرب بما يتغذى به، فأما ما لا يتغذى به، فعامة أهل العلم على أن الفطر يحصل به". [المغني لابن قدامة (3/ 119)، مكتبة القاهرة. ويُنظر: مراتب الإجماع (ص: 39)، دار الكتب العلمية - بيروت].
أما إذا كان الماء قد سبق إلى حلقه دون تعمّدٍ منه، فقد اختلف الفقهاء في حكم صومه على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يفسد صومه، ويجب عليه القضاء، وهذا مذهب السادة الحنفية، والسادة المالكية، وأحد الأقوال الثلاثة للسادة الشافعية خلاف الأصح.
واستدلوا على ذلك: بحديث سيدنا لقيط بن صَبِرَة رضي الله عنه وفيه: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي، عَنِ الْوُضُوءِ، قَالَ: «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا». [سنن أبي داوود حديث: 142 ك: الطهارة، ب: في الاستنثار (1/ 35)، وسنن الترمذي حديث: 788 ك: أبواب الصوم، ب: ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم (3/ 146)، وسنن النسائي ح: 87 ك: الطهارة، ب: المبالغة في الاستنشاق (1 /66)، وسنن ابن ماجه ح: ك: الطهارة وسننها، ب: المبالغة في الاستنشاق والاستنثار ( 1 /142). وقال الإمام الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»].
ووجه الدلالة في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المبالغة في الاستنشاق والمضمضة حال الصوم؛ والنهي عن المبالغة ـ التي فيها كمال السُّنة ـ عند الصوم دليلٌ على أن دخول الماء في الحلق مفسدٌ للصوم.[ينظر: المبسوط، للسرخسي (3/ 66) دار المعرفة، والإشراف على نكت مسائل الخلاف، للقاضي عبد الوهاب المالكي (1/ 437) دار ابن حزم].
وتُقاس المضمضة على الاستنشاق. [ينظر: الشرح الكبير على متن المقنع، لأبي الفرج ابن قدامة (1/ 113) ط: دار الكتاب العربي].
واستدلوا كذلك من المعقول: بأن الماء لا يسبق الحلق في المضمضة عادةً إلا عند المبالغة فيهما، والمبالغة مكروهة في حق الصائم؛ فكان في مبالغة الصائم في المضمضة تعديًا؛ فلم يُعذر، بخلاف الناسي. [بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للكاساني (2/ 91) دار الكتب العلمية].
قال الإمام الكاساني الحنفي رحمه الله: "ولو تمضمض أو استنشق؛ فسبق الماءُ حلقَه ودخل جوفَه؛ فإن لم يكن ذاكرًا لصومه لا يفسد صومه؛ لأنه لو شرب لم يفسد، فهذا أولى، وإن كان ذاكرًا فسد صومه عندنا..."[بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للكاساني (2/ 91)، دار الكتب العلمية].
وعند السادة المالكية؛ جاء في "التاج والإكليل": "فإن تمضمض لذلك [أي بسبب الحر] أو لوضوء الصلاة،؛ فسبقه الماء إلى حلقه؛ فليقض في الفرض والواجب، ولا كفارة عليه، وإن كان في تطوعٍ لا يقضي"[التاج والإكليل لمختصر خليل، للمواق (3 /3509، دار الكتب العلمية].
وعند السادة الشافعية؛ قال الإمام النووي رحمه الله: "فلو سبق الماء؛ فحاصل الخلاف في المضمضة والاستنشاق إذا وصل الماء منهما جوفه أو دماغه ثلاثة أقوال: ... (والثاني) يفطر مطلقًا ... والخلاف فيمن هو ذاكرٌ للصوم، عالم بالتحريم، فإن كان ناسيًا أو جاهلاً لم يبطل بلا خلاف". [المجموع شرح المهذب، للنووي (6/ 326)، دار الفكر].
القول الثاني: أن الصائم إذا لم يُبالغ في المضمضة، وسبقه الماء، فصومُه صحيح، وإن بالغ فسد صومه؛ وهذا هو المذهب والأصح عند السادة الشافعية، وهو وجهٌ عند السادة الحنابلة.
واستدلوا من المعقول: بأن ماء المضمضة إذا سبق إلى الحلق بغير مبالغة من المتوضئ؛ فهو ماءٌ واصل إلى الجوف بغير قصد، فلا يُفسد صومُه، وإن كان بمبالغة؛ فالمبالغة منهي عنها حال الصيام، فيفسد الصوم؛ لأنه أشبه التعمد. [يُنظر: حاشيتا قليوبي وعميرة، لأحمد سلامة القليوبي وأحمد البرلسي عميرة (2/ 73)، دار الفكر].
قال الخطيب الشربيني رحمه الله: "(ولو سبق ماءُ المضمضة أو الاستنشاق) المشروع (إلى جوفه) من باطن أو دماغ (فالمذهبُ: أنه إن بالغ) في ذلك (أفطر)؛ لأن الصائم منهيٌّ عن المبالغة؛ كما سبق في الوضوء (وإلا) أي وإن لم يبالغ (فلا) يفطر؛ لأنه تولد من مأمور به بغير اختياره".[مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، للخطيب الشربيني (2/ 158)، دار الكتب العلمية].
وقال الإمام موفق الدين ابن قدامة رحمه الله: "وإن تمضمض أو استنشق فدخل الماء حلقه لم يفطر؛ لأنه واصل بغير اختياره ولا تعديه فأشبه الذباب الداخل حلقه وإن بالغ فيهما فوصل الماء ففيه وجهان: أحدهما: لا يفطر؛ لأنه بغير اختياره. والثاني: يفطر لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عنه لقيط بن صبرة، حفظاً للصوم، فدل على أنه يفطره؛ لأنه تولد بسبب منهي عنه، فأشبه الإنزال عن مباشرة، وإن زاد على الثلاث فيهما فوصل الماء فعلى الوجهين". [الكافي في فقه الإمام أحمد (1/ 443)، دار الكتب العلمية، ط: الأولى].
القول الثالث: إذا كان الماء قد سبقه دون تعمدٍ منه؛ فإنه لا يفطر مطلقًا؛ بالغَ في المضمضة أم لم يُبالغ، وهذا هو المذهب عند السادة الحنابلة، وقولٌ ثالث عند السادة الشافعية خلاف الأصح.
واستدلوا من المعقول: بأن الماء دخل جوفه بغير قصدٍ واختيار، فلا يفطر. [يُنظر: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، للرملي (3 /171)، دار الفكر، والشرح الكبير على متن المقنع، لشمس الدين بن قدامة (3/ 44)، دار الكتاب العربي].
قال الإمام النووي رحمه الله: "فلو سبق الماء؛ فحاصل الخلاف في المضمضة والاستنشاق إذا وصل الماء منهما جوفه أو دماغه، ثلاثة أقوال ... (والثالث) لا يفطر مطلقًا" [المجموع شرح المهذب، للنووي (6/ 326)، دار الفكر].
وعند السادة الحنابلة: قال الإمام المرداوي رحمه الله: "وإن زاد على الثلاث، أو بالغ فيهما، فعلى وجهين. وأطلقهما في «الهداية»، و «المستوعب»، و «الخلاصة»، و «الكافى»، و «الهادى»، و «المغنى»، و «التلخيص»، و «البلغة»، و «شرح المجد»، و «المحرر»، و «الشرح»، و «الرعايتين»، و «الحاويين»، و «شرح ابن منجى»، و «النظم»، و «الفروع»، و «الفائق»؛ أحدهما، لا يفطر. وهو المذهب. صححه في «التصحيح». قال في «العمدة»: لو تمضمض أو استنشق، فوصل إلى حلقه ماء، لم يفسد صومه، وجزم به في «الإفادات»، وناظم «المفردات»، وهو منها. ويأتى كلامه في «الوجيز»، و «المنور». والوجه الثانى، يفطر. صححه في «المذهب»، و «مسبوك الذهب». وقدمه ابن رزين في «شرحه». وجزم في «الفصول» بالفطر بالمبالغة. وقال به إذا زاد على الثلاث. وقيل: يبطل بالمبالغة دون الزيادة،اختاره المجد". [الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ت التركي (7/ 434)، هجر للطباعة والنشر- القاهرة، ط: الأولى].
والمختار للفتوى هو القول الثاني: فإذا سبق الماء إلى حلق الصائم دون مبالغةٍ منه في المضمضة؛ فصومُه صحيح، ولا شيء عليه، فإن كان وصول الماء إلى حلقه بسبب مبالغته في المضمضة أو الاستنشاق حتى وصل الماء حلقه: فقد فسد صومه؛ وعليه القضاء، وذلك؛ لأن المبالغة في المضمضة منهيٌّ عنها حال الصيام، وهي مظنّة وصول ماء المضمضة إلى الحلق، وفيها تعدٍّ من المتوضئ؛ فأشبهت التعمد، لكن يُستحب للصائم قضاء الصوم احتياطًا حتى وإن لم يُبالِغ في المضمضة، وذلك خروجًا من الخلاف.
وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: "وإذا توضأ الرجل للصلاة وهو صائم فتمضمض ودخل الماء جوفه وهو ناسٍ لصومه فلا شيء عليه... وإذا كان ذاكرًا لصومه فدخل الماء جوفه فأحبُّ إليَّ أن يُعيد الصوم احتياطًا، وأما الذي يلزمه فلا يلزمه أن يُعيد..." [الأم للشافعي (7/ 153)، دار المعرفة - بيروت].
وأما عن صيام طفلٍ عمرُه اثنا عشر عامًا: فلا يجب الصيام على الطفل قبل البلوغ، لأنه غير مخاطب بالتكاليف الشرعية، لكن يستحب له أن يصوم، بل ينبغي على وليُّه أن يأمره بالصوم في سن السابعة؛ وذلك ليعتاده، ويتمرن عليه. وقد تناولنا هذا الحكم تفصيلًا في الفتوى رقم: (7426)
واللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.
هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.