الحَمْدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...
فقد حثّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على المضمضة والاستنشاق في الوضوء، بل والمبالغة فيهما، إلا للصائم؛ خشية أن يسبقه الماءُ إلى حلقه.
فإذا تعمَّد الصائم ابتلاعَ ماء المضمضة في نهار رمضان، وكان ذاكرًا لصومه، عالمًا بالتحريم: فقد فسد صومه باتفاق الفقهاء، وعليه القضاء.
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: "في هذه المسألة فصول: أحدها: أنه يفطر بالأكل والشرب بالإجماع، وبدلالة الكتاب والسنة... وأجمع العلماء على الفطر بالأكل والشرب بما يتغذّى به، فأما ما لا يتغذى به، فعامة أهل العلم على أن الفطر يحصل به". [المغني، (3/ 119)]، ويُنظر: [مراتب الإجماع، ص: (39)].
أما إذا كان الماء قد سبق إلى حلقه دون تعمّدٍ منه، فقد اختلف الفقهاء في حكم صومه على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يفسد صومه مطلقًا، ويجب عليه القضاء، وهذا مذهب السادة الحنفية، والسادة المالكية، وأحد الأقوال الثلاثة للسادة الشافعية خلاف الأصح.
واستدلوا على ذلك بأدلة منها: حديث سيدنا لقيط بن صَبِرَة رضي الله عنه وفيه: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي، عَنِ الْوُضُوءِ، قَالَ: «أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا». [سنن الترمذي ح: (788)، وقال الإمام الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»].
ووجه الدلالة في الحديث: أن النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عن المبالغة في الاستنشاق والمضمضة حال الصوم؛ والنهي عن المبالغة ـالتي فيها كمال السُّنةـ عند الصوم دليلٌ على أن وصول الماء إلى الحلق مفسدٌ للصوم. ينظر: ["المبسوط، (3/ 66)"، و"الإشراف على نكت مسائل الخلاف، (1/ 437)].
وتُقاس المضمضة على الاستنشاق. ينظر: [الشرح الكبير على متن المقنع، (1/ 113)].
قال الإمام الكاساني الحنفي رحمه الله: "ولو تمضمض، أو استنشق؛ فسبق الماءُ حلقَه، ودخل جوفَه: فإن لم يكن ذاكرًا لصومه لا يفسد صومه؛ لأنه لو شرِب لم يفسد، فهذا أولى، وإن كان ذاكرًا فسد صومُه عندنا..." [بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (2/ 91)]، وينظر: ["التاج والإكليل لمختصر خليل، (3 /3509)"، و" المجموع شرح المهذب، (6/ 326)"].
القول الثاني: أن الصائم إذا لم يُبالغ في المضمضة، وسبقه الماء، فصومُه صحيح، وإن بالغ فسد صومه؛ وهذا هو المذهب والأصح عند السادة الشافعية، وهو وجهٌ عند السادة الحنابلة.
واستدلوا من المعقول: بأن ماء المضمضة إذا سبق إلى الحلق بغير مبالغة من المتوضئ؛ فهو ماءٌ واصل إلى الجوف بغير قصد، فلا يُفسد صومُه، وإن كان بمبالغة؛ فالمبالغة منهيٌّ عنها حال الصيام، فيفسد الصوم؛ لأنه أشبه التعمّد. يُنظر: [حاشيتا قليوبي وعميرة، (2/ 73)].
قال الخطيب الشربيني رحمه الله: "(ولو سبق ماءُ المضمضة أو الاستنشاق) المشروع (إلى جوفه) من باطنٍ أو دماغٍ (فالمذهبُ: أنه إن بالغ) في ذلك (أفطر)؛ لأن الصائم منهيٌّ عن المبالغة؛ كما سبق في الوضوء، (وإلا) أي وإن لم يبالغ (فلا) يفطر؛ لأنه تولد من مأمور به بغير اختياره". [مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، (2/ 158)]، وينظر: [الكافي في فقه الإمام أحمد، (1/ 443)].
القول الثالث: إذا كان الماء قد سبقه دون تعمدٍ منه؛ فإنه لا يفطر مطلقًا؛ بالغَ في المضمضة أم لم يُبالغ، وهذا هو المذهب عند السادة الحنابلة، وقولٌ ثالث عند السادة الشافعية خلاف الأصح.
واستدلوا من المعقول: بأن الماء دخل جوفه بغير قصدٍ واختيار، فلا يفطر. يُنظر: ["نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، (3 /171)"، و"الشرح الكبير على متن المقنع، (3/ 44)"].
قال الإمام النووي رحمه الله: "فلو سبق الماء؛ فحاصل الخلاف في المضمضة والاستنشاق إذا وصل الماء منهما جوفه أو دماغه، ثلاثة أقوال ... (والثالث) لا يفطر مطلقًا" [المجموع شرح المهذب، (6/ 326)]. وينظر: [الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، (7/ 434)].
والمختار للفتوى هو القول الثاني: فإذا سبق الماء إلى حلق الصائم دون مبالغةٍ منه في المضمضة؛ فصومُه صحيح، ولا شيء عليه، فإن كان وصول الماء إلى حلقه بسبب مبالغته في المضمضة أو الاستنشاق حتى وصل الماء حلقه: فقد فسد صومه؛ وعليه القضاء، وذلك؛ لأن المبالغة في المضمضة منهيٌّ عنها حال الصيام، وهي مظنّة وصول ماء المضمضة إلى الحلق، وفيها تعدٍّ من المتوضئ؛ فأشبهت التعمد، لكن يُستحب للصائم قضاء الصوم احتياطًا حتى وإن لم يُبالِغ في المضمضة، وذلك خروجًا من الخلاف.
وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله: "وإذا توضّأ الرجل للصلاة وهو صائم، فتمضمض، ودخل الماء جوفه، وهو ناسٍ لصومه، فلا شيء عليه... وإذا كان ذاكرًا لصومه، فدخل الماء جوفه؛ فأحبُّ إليَّ أن يُعيد الصوم احتياطًا، وأما الذي يلزمه فلا يلزمه أن يُعيد..." [الأم للشافعي، (7/ 153)].
وأما عن صيام طفلٍ عمرُه اثنا عشر عامًا: فلا يجب الصيام على الطفل قبل البلوغ؛ لأنه غير مخاطب بالتكاليف الشرعية، لكن يستحب له أن يصوم، بل ينبغي على وليُّه أن يأمره بالصوم في سن السابعة، وذلك؛ ليعتاده، ويتمرن عليه.
واللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم