الجواب المفصل:
بسم الله، والحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وبعد...
فقد ذهب جمهور الفقهاء من السَّادة الحنفية، والسَّادة المالكية، والسَّادة الشافعية، والسَّادة الحنابلة، إلى أنَّ المبالغة في المضمضة أثناء الصوم مكروة، يقول الإمام الكاساني رحمه الله: "ولو تَمَضْمض أو اسْتنْشَق فسبق الماءُ حلقه ودخل جوفه فإن لم يكن ذاكرًا لصومه لا يَفْسُدُ صومُهُ لأنه لو شرب لم يفْسُد ، فهذا أولى وإن كان ذاكرًا فسد صومه عندنا.
وقال ابن أبي ليلى: إن كان وضوءه للصلاة المكتوبة لم يُفْسِد وإن كان للتطوع فسد، وقال الشافعي: لا يفسد أيهما كان، وقال بعضهم: إن تمضمض ثلاث مرات فسبق الماء حلقه لم يفْسُد، وإن زاد على الثلاث فسد، وجه قول ابن أبي ليلى أن الوضوء للصلاة المكتوبة فرض، فكأنَّ المضمضة، والاستنشاق من ضرورات إكمال الفرض، فكان الخطأ فيهما عذرا بخلاف صلاة التطوع، وجه قول من فرَّق بين الثلاث وما زاد عليه أن السُنَّة فيهما، والثَّلَاثُ فكان الخطأ فيهما من ضرورات إقامة السُّنَّةِ فكان عفوا.
وأما الزيادة على الثَّلَاثِ فمن باب الاعتداء على ما قال النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «فَمَنْ زَادَ، أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ» فلم يُعذر فيه، والكلام مع الشافعي على نحو ما ذكرنا في الإكراه يُؤَيِّدُ ما ذكرنا أنَّ الماء لا يسبق الحلق في المضمضة، والاستنشاق عادة إلا عند المبالغة فيهما، والمبالغة مكروهة في حقِّ الصَّائم...فكان في المبالغة مُتَعَدِّيًا فلم يُعْذر بخلاف النَّاسِي". [بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: الكاساني، (2/91)، ط: دار الكتب العلمية، الثانية، 1406هـ - 1986م]. ولمزيد من الاستزادة يراجع: [المبسوط: السرخسي، (3/66-67)، ط: دار المعرفة – بيروت، 1414هـ - 1993م].
واستدلَّ السَّادة الحنفية على أنَّ المبالغة في المضمضمة أثناء الصوم مكروهة بما رُوي عن سيدِنا لقيط بنِ صَبِرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قال: قلتُ يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء؟ قال: «أَسْبِغِ الوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»، «هذا حديث حسن صحيح». [أخرجه الترمذي في سننه: ب: ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم، ت: أحمد محمد شاكر ، ومحمد فؤاد عبد الباقي، (3/146)، ح(788)، ط: مصطفى البابي الحلبي – مصر، الثانية، 1395 هـ - 1975م].
كما ذهب السَّادة المالكية إلى أنَّ المبالغة في الوضوء أثناء الصوم مكروهة فيقول الإمام الحطَّاب الرُّعيني المالكي رحمه الله: "(وَبَالَغَ مُفْطِرٌ) : يعني أَنَّ المتوضِّئ يُبَالِغُ في المضمضة والاستنشاق إذا كان غير صائم، قال في الذَّخيرة: يُستحبُّ المبالغة فيهما ما لم يكن صائما انتهى. وقال الشيخ زَرُّوق في شرح القُرْطُبِيَّةِ: يُستحبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ المبالغة بِرَدِّ الماء إلى الْغَلْصَمَةِ إلَّا أَنْ يكون صائما فيكره له ذلك خوفًا مِمَّا يصل إلى حلقه منه، فَإِنْ وقع وسبقه لَزِمَهُ القضاء وإِنْ تعمَّد كَفَّرَ انْتَهَى". [مواهب الجليل في شرح مختصر خليل: الحطاب الرُّعيني المالكي، (1/ 246)، ط: دار الفكر، الثالثة، 1412هـ - 1992م ].
ويقول الإمام الخطيب الشربيني رحمه الله: "(ويُبالِغُ فيهما غيرُ الصَّائم) لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إذَا تَوَضَّأْت فَأَبْلِغْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ مَا لَمْ تَكُنْ صَائِمًا». ولحديث لَقِيطِ بن صَبِرَةَ «أَسْبِغْ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»صححه الترمذي وغيره. والمبالغة في المضمضة أن يبلغ الماء إلى أقصى الحنك ووجهي الأسنان واللِّثَاتِ، ويُسَنُّ إمرار إصبع يده اليسرى على ذلك، وفي الاستنشاق أَنْ يُصْعِدَ الماء بالنَّفْس إلى الخيشوم، ويُسَنُّ إدارة الماء فِي الفم ومَجُّهُ، وكذا الاستنثار، وللأمر به في خبر الصحيحين، وهو أن يخرج بعد الاستنشاق ما في أنفه من ماء وأذى بخنصر يده اليسرى، وإذا بالغ في الاستنشاق فلا يستقصي فيَصِيرُ سَعُوطًا لا استنشاقًا، قاله في المجموع. وأمَّا الصَّائم فلا يسنُّ له المبالغة، بل تُكره لخوف الإفطار كما في المجموع". [مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج: الخطيب الشربيني، (1/187-188)، ط: دار الكتب العلمية، الأولى، 1415هـ - 1994م ].
ويقول الإمام النووي رحمه الله: "وإن تمضمض أو استنشق فوصل الماء الي جوفه أو دماغه فقد نصَّ فيه علي قولين (فمن) أصحابنا من قال القولان إذا لم يبالغ فأمَّا إذا بالغ فيبطل صومه قولا واحدا وهو الصحيح لأنَّ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال لِلقيطِ بن صَبِرَة:"إذا استنشقت فأبلغ الوضوء إلا أن تكون صائما"، فنهاه عن المبالغة فلو لم يكن وصول الماء في المبالغة يبطل الصوم لم يكن للنَّهى عن المبالغة معني، ولأن المبالغة منهى عنها في الصوم وماتولد من سبب منهي عنه فهو كالمباشرة". [المجموع شرح المهذب: النووي، (6/326)، ط: دار الفكر].
واستدلَّ السَّادة الشافعية على أنَّ المبالغة في المضمضمة أثناء الصوم مكروهة بما رُوي عن سيدِنا لَقِيطِ بنِ صَبِرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قال: قلتُ يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء؟ قال: «أَسْبِغِ الوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»، «هذا حديث حسن صحيح». [أخرجه الترمذي في سننه: ب: ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم، ت: أحمد محمد شاكر ، ومحمد فؤاد عبد الباقي، (3/146)، ح(788)، ط: مصطفى البابي الحلبي – مصر، الثانية، 1395 هـ - 1975م].
يقول الإمام البهوتي الحنبلي رحمه الله: "(ومبالغة فيهما) أي: في المضمضة والاستنشاق (لغير الصَّائم) لقوله عليه السَّلام في حديث لقِيطِ بن صَبِرَةَ: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» رواه الخمسة، وصحَّحهُ التِّرْمِذِيُّ... وتُكْرَهُ لِصَائم". [شرح منتهى الإرادات = دقائق أولي النهى لشرح المنتهى: البهوتى الحنبلى، (1/47)، ط: عالم الكتب، الأولى، 1414هـ - 1993م].
يقول الإمام البهوتي الحنبلي رحمه الله: "وتُكرَهُ له المبالغة في المضمضة والاستنشاق، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم لِلَقِيطِ بنِ صَبِرَةَ: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»". [كشاف القناع عن متن الإقناع: البهوتى الحنبلى، (2/329)، ط: دار الكتب العلمية].
يقول الإمام ابن مفلح رحمه الله: "والمبالغة فيهما إلى أقاصيهما...والمبالغة في الاستنشاق: اجتذابُ الماء بالنَّفَسِ إلى أقصى الأنف، ولا يُصَيِّرُهُ سَعُوطًا، وفي المضمضة: إدارةُ الماء في أقاصي الفم...وله بلعُهُ كلفْظِهِ (إلا أن يكون صائمًا) فإنَّه مكروه". [المبدع في شرح المقنع: ابن مفلح، (1/88)، ط: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الأولى، 1418 هـ - 1997م].
واستدلَّ السَّادة الحنابلة على أنَّ المبالغة في المضمضمة أثناء الصوم مكروة بما رُوي عن سيدِنا لَقِيطِ بنِ صَبِرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قال: قلتُ يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء؟ قال: «أَسْبِغِ الوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»، «هذا حديث حسن صحيح». [أخرجه الترمذي في سننه: ب: ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم، ت: أحمد محمد شاكر ، ومحمد فؤاد عبد الباقي، (3/146)، ح(788)، ط: مصطفى البابي الحلبي – مصر، الثانية، 1395 هـ - 1975م].
ومن خلال ما سبق يمكن القول: لا حرج في المضمضة في نهار رمضان شرعًا فهي من الوضوء، وإنما تُكره المبالغة فيها أثناء الصوم.
والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم