الحمدُ لله، والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، وبعد...
فقد اتفق الفقهاء على أنَّ مطلق قراءة القرآن ركنٌ من أركان الصلاة، ولكنهم اختلفوا في بعض الأحكام المتعلقة بهذه القراءة، ومن ذلك: القراءة مِن المصحف في الصلاة، وقد جاء اختلافهم على أقوال أربعة:
القول الأول: يجوز للمصلي أن يقرأ مِن المصحف في صلاة الفرض والنفل. وهو قول السادة الشافعية، وهو المذهب عند السادة الحنابلة.
واستدلوا على ذلك بأدلة منها: ما ورد عَنْ أم المؤمنين السيدة عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَنَّهَا كَانَ يَؤُمُّهَا غُلَامُهَا ذَكْوَانُ فِي الْمُصْحَفِ فِي رَمَضَانَ" [السنن الكبرى للبيهقي، ح: (3366)، بإسناد صحيح].
قال الإمام النووي رحمه الله: "لو قرأ القرآن من المصحف لم تبطل صلاته، سواء كان يحفظه أم لا، بل يجب عليه ذلك إذا لم يحفظ الفاتحة... ولو قلّب أوراقه أحيانًا في صلاته لم تبطل". [المجموع للنووي، (4/ 95)]، وينظر: [المبدع في شرح المقنع (1/ 440)].
القول الثاني: القراءة من المصحف في الصلاة تُفسد الصلاة؛ وهو قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وأحد الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله.
وحجتهم في ذلك: أنَّ المصلي إن كان يحمله فهو عملٌ كثير؛ لأنه حملٌ وتقليب الأوراق، وإن كان على الأرض فإنَّه تعلُّم، وإنه عملٌ كثير؛ فيفسدها، كما لو تعلَّمَ من غيره.
قال الإمام ابن مودود الموصلي رحمه الله: " (وإن أكل، أو شرب، أو تكلم، أو قرأ من المصحف- فسدت صلاته)... وله: إن كان يحمله فهو عمل كثير؛ لأنه حمل وتقليب الأوراق، وإن كان على الأرض فإنه تعلّم، وإنه عمل كثير فيفسدها، كما لو تعلَّم من غيره". [الاختيار لتعليل المختار (1/ 62)]. وينظر: [الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/ 109)].
القول الثالث: لا تبطل الصلاة، لكنها تُكره. وقال به الإمامان أبو يوسف ومحمد رحمهما الله، من السادة الحنفية.
والأصل في إطلاق الكراهة عند السادة الحنفية: الكراهة التحريمية التي يأثم فاعلها.
وحجة هذا القول: أنَّ النظر في المصحف عبادة، فلا يُفسِد الصلاة، إلا أنَّه يُكره؛ لأنه تشبّه بأهل الكتاب.
قال الإمام ابن مودود الموصلي رحمه الله: " (وإن أكل، أو شرب، أو تكلم، أو قرأ من المصحف- فسدت صلاته)... وأما القراءة من المصحف، فمذهب أبي حنيفة، وعندهما: لا تفسد؛ لأنَّ النظر في المصحف عبادة، فلا يفسدها، إلا أنه يكره؛ لأنه تشبه بأهل الكتاب". [الاختيار لتعليل المختار (1/ 62)].
القول الرابع: تُكره القراءة من المصحف في صلاة الفريضة مطلقًا كراهة تنزيه، وأما في النافلة فتُكره إذا ابتدأ القراءة وفتح المصحف أثناء النافلة. وهو قول السادة المالكية.
وحجتهم في ذلك: أنَّ فيه انشغالَ المصلّي عن الخشوع في الصلاة، ولم يُكره في بداية قراءة النفل؛ لأنَّه يغتفر في النفل ما لا يغتفر في الفرض.
قال الشيخ الخرشي رحمه الله: "يكره قراءة المصلي في المصحف في صلاة الفرض، ولو دخل على ذلك من أوله؛ لاشتغاله غالبًا، ويجوز ذلك في النافلة إذا ابتدأ القراءة في المصحف، لا في الأثناء؛ فكُرِه". [شرح مختصر خليل للخرشي (2/ 11)].
والذي عليه الفتوى: هو القول الأول، أنَّ القراءة من المصحف في الصلاة صحيحة، سواء كانت فرضًا أم نفلًا، وهو قول السادة الشافعية والسادة الحنابلة؛ فإنَّه من الأفعال اليسيرة التي لا تبطل بها الصلاة، وقد ثبت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت أبي العاص في الصلاة، فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلِأَبِي العَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا». [متفق عليه: صحيح البخاري، ح: (516) – صحيح مسلم، ح: (543)]. والقراءة من المصحف ليست بأكثر عملًا من حمل الصبي في الصلاة.
مع التنبيه إلى مراعاة عدم الإكثار من الحركة الخارجة عن أفعال الصلاة، والمتمثلة في كثرة الفتح والغلق، وتقليب الأوراق، والاقتصار على مِقدار الضرورة.
وإن كان الأَوْلى للمصلي الحافظ للقرآن أن يقرأ مِن حفظه بمقدار ما تتحقق به صحة الصلاة؛ وذلك خروجًا من الخلاف.
والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم.