هل المضمضة تبطل الصيام؟
باسْمِ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...
فقد اتفق الفقهاء على أن المضمضة لا تفسد الصيام؛ سواء كانت المضمضة للوضوء أو لغيره.
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: "ولا يُفْطِرُ بالمضمضة بغير خلاف، سواءٌ كان في الطهارة أو غيرها". [المغني، لابن قدامة (3 /123) مكتبة القاهرة].
واستدلوا على ذلك بحديث سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قال: "هَشَشْتُ [ارتحتُ إلى زوجتي ومِلتُ إليها]، فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَنَعْتُ الْيَوْمَ أَمْرًا عَظِيمًا؛ قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، قَالَ صلى الله عليه وسلم: «أَرَأَيْتَ لَوْ مَضْمَضْتَ مِنَ الْمَاءِ، وَأَنْتَ صَائِمٌ؟» قُلْتُ: لَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ: «فَمَهْ». [سنن أبي داوود، ك: الصوم، ب: القُبلة للصائم، (4 /60)، ح: 2385، وصحيح ابن خزيمة، كتاب الصيام، ب: تمثيل النبي صلى الله عليه وسلم قبلة الصائم بالمضمضة منه بالماء (3/ 245)، ح: 1999].
ووجه الدلالة في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم بيَّن أن أوائل الجماع ودواعيه ومفتاحه ـ وهي القُبلة ـ لا تُفسِد الصوم؛ وهي في الحكم كالمضمضة؛ فكأنه صلى الله عليه وسلم يقول: قد علمتم أن المضمضة ـ وهي أوائل الشُّرب ومفتاحه ـ لا تُفسِد الصوم، فكذلك القُبلة لا تفسده. [ينظر: فتح الباري، لابن حجر (4 /152) ط: دار المعرفة، وشرح مسلم، للنووي (7 /215) ط: دار إحياء التراث العربي].
واستدلوا كذلك: بأن الفم في حكم الظاهر، فلا يبطل الصوم بالواصل إليه، كالأنف والعين. [المغني لابن قدامة (3 /123)].
لكن يُكره للصائم أن يُبالغ في المضمضة: واستدلوا على هذه الكراهة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال لسيدنا لقيط بن صَبِرَة رضي الله عنه لما سأله عن الوضوء؛ قال: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» [سنن أبي داوود حديث: 142 ك: الطهارة، ب: في الاستنثار (1/ 35)، وسنن الترمذي حديث: 788 ك: أبواب الصوم، ب: ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم (3/ 146)، وسنن النسائي ح: 87 ك: الطهارة، ب: المبالغة في الاستنشاق (1 /66)، وسنن ابن ماجه ح: ك: الطهارة وسننها، ب: المبالغة في الاستنشاق والاستنثار ( 1 /142). وقال الإمام الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»].
قال الإمام الكاساني الحنفي رحمه الله: "والمبالغة مكروهة في حق الصائم»"[بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، (2 /91) دار الكتب العلمية].
وقال الشيخ عليش المالكي رحمه الله: "وتكره المبالغة للصائم لئلا يفسد صومه ". [منح الجليل شرح مختصر خليل، (1 /89) دار الفكر].
وفي مذهب السادة الشافعية قال الإمام ابن حجر الهيتمي رحمه الله: "والمضمضة غير مطلوبة هنا، ولا يُحتاج إليها، وهي مظنة إزالة أثر الصوم؛ فكرهت". [تحفة المحتاج في شرح المنهاج، (3 /422)، دار إحياء التراث العربي].
وعند السادة الحنابلة قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: "فأما إن أسرف فزاد على الثلاث [يعني في المضمضة] أو بالغ في الاستنشاق، فقد فعل مكروهًا؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائما» حديث صحيح؛ ولأنه يتعرض بذلك لإيصال الماء إلى حلق". [المغني، لابن قدامة (3 /124)].
وبناءً على ما سبق: فالمضمضة أيًا كان سببها لا تفسد الصوم، لكنه يُكره للصائم أن يُبالغَ فيها؛ لئلا يصلَ شيءٌ من ماء الوضوء إلى حلقه، فإن وصل شيءٌ من المضمضة إلى حلقه دون قصده فللأئمة تفصيلٌ في ذلك.
وقد تناولنا هذا الحكم تفصيلًا في الفتوى رقم 1772
واللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَى وَأَعْلَم.
هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.