الصيام

حكم من وجب عليه الفدية ولم يستطع إخراجها لفقر أو إعسار؟

مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف

الحَمْدُ لله، والصَّلاة والسَّلام عَلى سَيِّدنا رَسُولِ الله، وعَلَى آله وصَحْبِه ومَن والَاه، وبعد:

فمن سمات الشريعة الإسلامية: اليُسر، ورفع الحرج، وقد فرض الله عزّ وجلّ الصومَ على كل مسلمٍ، بالغٍ، عاقلٍ، مقيمٍ، قادرٍ على الصوم، فإذا كان لا يقدر على الصوم وعجز عنه؛ لكِبَر سنّه، فلا صوم عليه؛ لأن الله لا يُكلّف نفسًا إلا وسعها، وعليه الفدية على قول جمهور الفقهاء، وهي إطعام مسكين عن كل يومٍ أفطره، قال الله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184].

فإذا كان مُعسرًا وعجز عن إخراج الفدية، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول: تسقط عنه الفدية، ولا شيء عليه، وهو قول السادة الحنابلة، وأحد قولي السادة الشافعية، ومقتضى مذهب السادة الحنفية.

واستدلوا على ذلك بأدلة، منها: قوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة 286].

وجه الدلالة: أنه عجز عن إخراج الفدية حال التكليف بها، فلا شيء عليه. يُنظر: [المغني، (3/ 38)].

قال الإمام النووي رحمه الله: "{فرعٌ} إذا أوجبنا الفدية علي الشيخ، والمريض المأيوس من بُرئه، وكان معسرًا: هل يلزمه إذا أيسر أم يسقط عنه؟ فيه قولان: كالكفارة، (والأصحّ) في الكفارة بقاؤهها في ذمته إلى اليسار؛ لأنها في مقابلة جنايته، فهي كجزاء الصيد، وينبغي أن يكون الأصحّ هنا أنها تسقط، ولا يلزمه إذا أيسر، كالفطرة؛ لأنه عاجزٌ حال التكليف بالفدية، وليست في مقابلة جناية ونحوها، وقطع القاضي في المجرد: أنه إذا أيسر بعد الإفطار لزمه الفدية، فإن لم يفدِ حتى مات، لزم إخراجها من تركته، قال: لأنّ الإطعام في حقّه كالقضاء في حق المريض والمسافر، قال: وقد ثبت أن المريض والمسافر لو ماتا قبل تمكّنهما من القضاء، لم يجب شيء، وإن زال عذرهما، وقدَرَا على القضاء، لزمهما، فإن ماتا قبله، وجب أن يُطعم عنهما". [المجموع شرح المهذب (6/ 259)] ". وينظر: ["حاشية ابن عابدين رد المحتار على الدر المختار، (2/ 427)"، و " تحفة المحتاج في شرح المنهاج، (3/ 440)"،و"الشرح الكبير على المقنع، (7/ 365)"].

القول الثاني: تستقر الفدية في ذمّته، فإذا أيسر في أي وقتٍ وجب عليه إخراجها. وهو الأصحّ عند السادة الشافعية.

واستدلوا على ذلك:

بأن حقّ الله تعالى المالي إذا عجز عنه العبد وقت الوجوب- يثبت في ذمته، وإن لم يكن على وجه البدل، إذا كان بسببٍ منه، وهو هنا كذلك، إذ سببُه فطرُه، وإن كان مضطرًا إليه، بخلاف زكاة الفطر، وأنّه لا فرق في وجوب الفدية بين الغنيّ والفقير. يُنظر: ["مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، (2/ 174)"، و"تحفة الحبيب على شرح الخطيب، (2/ 397)"].

قال الإمام الخطيب الشربيني: "وقضية إطلاق المصنِّف: أنّه لا فرق في وجوب الفدية بين الغني والفقير، وفائدته: استقرارُها في ذمة الفقير، وهو الأصحّ على ما يقتضيه كلام "الروضة" وأصلها، وجرى عليه ابن المَقْري، ....] اهـ. [مغني المحتاج، (2/ 174)]، ويُنظر: [نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، (3/ 193)].

والمختار للفتوى من القولَيْن: هو القول الأول قول جمهور الفقهاء: أن الشيخ الفاني العاجز عجزًا مستمرًا عن الصوم، أو المريض مرضًا لا يُرجى شفاؤه، يجب عليه الفدية، وإذا عجز عن الفدية لفقره وحاجته، فلا شيء عليه؛ لقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة 286].

والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم.