أولًا: العقائد والفرق والتيارات

ما حكم الحلق أو التقصير في الحج أو العمرة؟

مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف

ما حكم الحلق أو التقصير في الحج أو العمرة؟

جمهور الفقهاء على أنّ الحلق أو التقصير في الحج أو العمرة واجبٌ، يُجبر تركه بدم، ويأثم تاركه إن لم يكن له عذر.

الْـحَـمْدُ لِلهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ، وَصَحْبِهِ، وَمَنْ وَالَاهُ، وَبَعْدُ...

فقد اختلف العلماء في حكم الحلق أو التقصير في الحج أو العمرة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنه واجبٌ من واجبات الحج والعمرة، ويُجبر تركه بدم. وهو مذهب جمهور العلماء من السادة الحنفية، والسادة المالكية، والسادة الشافعية في قول، والسادة الحنابلة في إحدى الروايتين.

واستدلوا على ذلك: من الكتاب: بقوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} [الحج: 29].

وجه الدلالة: أنّ التفث هو حلق الشعر، ولبس الثياب، وقص الأظافر، ونحو ذلك. [يُنظر: بدائع الصنائع (2 /140)، دار الكتب العلمية، ط: الثانية].

ـ وقوله تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27].

وجه الدلالة: أن قوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ} خبرٌ معناه الأمر، أي: ادخلوا المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلِّقين رءوسكم ومقصرين؛ فيقتضي وجوب الدخول بصفة الحلق أو التقصير؛ لأن مطلق الأمر لوجوب العمل. [ينظر: بدائع الصنائع (2 /140)]

ـ واستدلوا كذلك بقول سيدنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَلِلْمُقَصِّرِينَ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ»، قَالُوا: وَلِلْمُقَصِّرِينَ، قَالَهَا ثَلاَثًا، قَالَ: «وَلِلْمُقَصِّرِينَ». [متفق عليه: صحيح البخاري ح: (1728) ك: الحج، ب: الحلق والتقصير عند الإحلال، - وصحيح مسلم ح: (1302) ك: الحج، ب: تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير].

وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلّقين والمقصّرين، فدلّ على تعلق الفضيلة بذلك، والتفاضل إنما هو في النسك. [يُنظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف (1/ 479)، دار ابن حزم، ط: الأولى ـ وشرح الرسالة للقاضي عبد الوهاب المالكي (2/ 182ـ 184)، دار ابن حزم، ط: الأولى ـ والكافي في فقه الإمام أحمد (1/ 524)، دار الكتب العلمية، ط: الأولى].

واستدلوا من المعقول: بأنه يقع التحلل بالحلق، فأشبه الرمي والطواف، وهما نُسكان. [يُنظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف (1/ 479) ـ وشرح الرسالة للقاضي عبد الوهاب المالكي (2/ 182ـ 184)].

ـ قال الإمام الكاساني رحمه الله: "فالحلق أو التقصير واجبٌ عندنا إذا كان على رأسه شعر لا يتحلّل بدونه". [بدائع الصنائع (2 /140)].

ـ وقال الإمام ابن عرفة المالكيّ رحمه الله: "والمذهب أن الحلق والتقصير نُسكٌ وتحلل". [المختصر الفقهي لابن عرفة (2 /193) مؤسسة خلف أحمد الخبتور للأعمال الخيرية].

وقال الخطيب الشربيني رحمه الله: "(والحلق) أي إزالة شعر الرأس أو التقصير في حج أو عمرة في وقته (نسك على المشهور) وفي الروضة الأظهر فيثاب عليه؛ لأن الحلق أفضل من التقصير للذكر، والتفضيل إنما يقع في العبادات دون المباحات، وروى ابن حبان في صحيحه «أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: لكل من حلق رأسه بكل شعرة سقطت نور يوم القيامة» وعلى هذا هو ركن كما سيأتي. وقيل واجب". [مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (2/ 269)، دار الكتب العلمية، ط: الأولى. ويُنظر: الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (1/ 257) ـ والنجم الوهاج في شرح المنهاج (3/ 528)].

ـ ويقول الإمام المرداوي الحنبليُّ رحمه الله: "وواجباتها: الحلاق في إحدى الروايتين... ومن ترك واجبًا فعليه دم، ولو كان سهوًا أو جهلًا". [الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (4/ 62)، دار إحياء التراث العربي].

القول الثاني: أنه ركنٌ من أركان الحج والعمرة؛ فلا يكتمل أحدهما إلا بالإتيان به. وهو الأظهر في المذهب الشافعي.

وحجتهم في ذلك: القياس على الطواف بأنَّ فيه وضع زينة لله تعالى.

قال العلامة الجمل رحمه الله: "فإن قلت لم جعل ركنًا... فلأن فيه وضع زينة لله تعالى فأشبه الطواف من حيث إنه أعمال النفس في المشي لله تعالى". [فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب (2 /488)، دار الفكر].

وقال الخطيب الشربيني رحمه الله: "وأركان العمرة أربعة أشياء، بل خمسة كما ستعرفه... والرابع: الحلق أو التقصير في أحد القولين القائل بأنه نسكٌ، وهو الأظهر، ومثله التقصير". [الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (1 /254)، دار الفكر].

القول الثالث: أنه ليس بنسك، بل هو استباحة محظور، ولا شيء على تاركه. وهو قول عند السادة الشافعية، خلاف الأظهر والمشهور، ورواية عند السادة الحنابلة.

وقال عنه الإمام الماوردي رحمه الله: إنه أقيس. وقال القاضي أبو الطيب رحمه الله: إنه الصحيح. [يُنظر: كفاية النبيه في شرح التنبيه (7/ 472)، دار الكتب العلمية، ط: الأولى].

واستدلوا على ذلك:

بقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ...} [البقرة: 196].

وجه الدلالة: أنه حظر الحلق وجعل لحظره غاية وهو التحلل، فلم يجز أن يكون نسكا يقع به التحلل. [يُنظر: الحاوي الكبير (4/ 161) دار الكتب العلمية)].

وبما ثبت: عَنْ سيدنا أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَطْحَاءِ وَهُوَ مُنِيخٌ فَقَالَ: «أَحَجَجْتَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «بِمَا أَهْلَلْتَ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلاَلٍ كَإِهْلاَلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أَحْسَنْتَ، طُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ أَحِلَّ» [متفق عليه. صحيح البخاري، أبواب العمرة، باب: متى يحل المعتمر (3/ 6) ح: 1795 ـ صحيح مسلم، ك: الحج، باب في نسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام (2/ 894) ح: 1221].

وجه الدلالة: أنه صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أنَّ المعتمر يحل بعد الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة؛ فدلّ على عدم اشتراط الحلق. [يُنظر: عمدة القاري، للإمام بدر الدين العيني (10/ 129) دار إحياء التراث العربي].

ـ وبما ثبت عن سيدنا جابرٍ بن عبد الله رضي الله عنهما، في حديث الحج الطويل: أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لَمّا سعى بين الصفا والمروة قَالَ: «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً» [صحيح مسلم، ك: الحج، ب: حجة النبي صلى الله عليه وسلم (2/ 886) ح: 1218].

وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالحل من العمرة قبل الحلق. [يُنظر: الشرح الكبير على متن المقنع (3/ 459)، دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع].

واستدلوا من المعقول: بأن ما كان محرما في الاحرام إذا أبيح كان اطلاقا من محظور كسائر محرماته. [يُنظر: الشرح الكبير على متن المقنع (3/ 459)].

ـ ولأن الأمر الوارد بعد الحظر يقتضي الإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، فكذا الأمر بالحلق بعد تقدم حظره يقتضي الإباحة. [يُنظر: الحاوي الكبير (4/ 161)].

ـ قال الإمام النووي رحمه الله: "الحلق في وقته في الحج والعمرة، فيه قولان. أحدهما: أنه استباحة محظور، وليس بنسك. وأظهرهما: أنه نسك، وهو ركن لا يجبر بالدم. حتى لو كانت برأسه علة لا يمكنه بسببها التعرض للشعر صبر إلى الإمكان، ولا يفدي". [روضة الطالبين وعمدة المفتين (3/ 101)].

ـ وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله: "وفي الحلاق والتقصير روايتان: إحداهما: ليس بنسك، إنما هو استباحة محظور؛ لأنه محرم فلم يكن نسكاً، كالطيب، ولأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر أبا موسى أن يتحلل بطواف وسعي، ولم يذكر تقصيرًا... فإن قلنا: هو استباحة محظور، فله الخير بين فعله وتركه، والأخذ من بعضه دون بعض، ويحصل التحلل الأول برمي الجمرة قبله، فيحل له كل محرم بالإحرام إلا النساء، وما يتعلق بهن من الوطء والعقد والمباشرة". [الكافي في فقه الإمام أحمد (1/ 524)].

والذي عليه الفتوى هذه الأقوال هو القول الأول، قول جمهور الفقهاء: بأنّ الحلق أو التقصير في الحج أو العمرة واجبٌ، يُجبر تركه بدم، ويأثم تاركُه إن لم يكن له عذر.

والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم.

هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.