هل يجوز نقل الزكاة إلى بلد آخر؟
الحمدُ لله، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى سيِّدنا رسول الله، وعَلَى آله وصحبه ومَنْ والاه، وبعد...
فالزكاة ركنٌ من أركان الإسلام، فرضها الله عز وجل على الأغنياء؛ تطهيرًا لمالهم، وتزكيةً لنفوسهم، وسدًّا لحاجة الفقراء.
والأصل عند جمهور الفقهاء: أن تخرج الزكاةُ في البلد الذي فيه مال المزكي، ولا تُنقل إلى بلد آخر. [يُنظر: لوامع الدرر في هتك استار المختصر (3/ 572)، دار الرضوان، نواكشوط- موريتانيا، ط: الأولى].
لكنهم اختلفوا في مشروعية نقل الزكاة، وإجزاء ذلك على أقوال ثلاثة:
القول الأول: يُكره نقلها، فإذا فعل أجزأه، فإذا نقلها لأقاربه أو الأشد فقرًا فلا كراهة. وإليه ذهب السادة الحنفية.
واستدلوا على كراهية النقل:
بما ثبت عَنِ سيدنا ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى اليَمَنِ، فَقَالَ: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ». [مُتَّفقٌ عليه: صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة (2/ 104) ح: 1395- وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (1/ 50) ح: 19].
وجه الدلالة: قوله: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ». فهذا هو الأصل في الزكاة، ولم يقولوا بوجوب عدم النقل؛ للأدلة الأخرى.
ومن المعقول: بأن فيه رعاية حق الجوار فكان أولى. [يُنظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (1/ 305)، المطبعة الكبرى الأميرية - القاهرة، ط: الأولى].
وأما دليل عدم كراهية نقلها إلى أقاربه أو إلى قوم هم أحوج من أهل بلده:
فهو قول سيدنا مُعَاذٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَهْلِ اليَمَنِ: «ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ - أَوْ لَبِيسٍ - فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ» [صحيح البخاري، معلّقًا ، كتاب الزكاة، باب العرض في الزكاة (2/ 116)، والخراج وموصولا عند يحيى بن آدام في كتاب الخراج (ص: 147) ح: 525، ح: 526. ويُنظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (1/ 305)].
وأيضًا: بأن فيه صلة القريب أو زيادة دفع الحاجة فلا يكره. [يُنظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (1/ 305)].
أما دليل الإجزاء: فلقوله تعالى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ } [التوبة: 60].
وجه الدلالة: أطلق الله عز وجلّ في الآية الزكاة لمستحقيها من غير تقييد بالمكان. [يُنظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (1/ 305)، ويُنظر: العناية شرح الهداية (2/ 279)].
ومن المعقول أيضًا: بأن المقصود من الصدقة دفع الحاجة عن المستحقين لها، وذلك لا يختص بموضع دون موضع، ولأنه لو حصل في البلد فقراء من غير أهله لجاز صرف الصدقة إليهم، فدلّ أن الاعتبار بوجود الفقراء وأهل الصفات دون مواضعهم، ولأنها صدقة صرفها الله إلى الجنس المستحق للزكاة كما لو فرّقها في بلده. ٍ[يُنظر : المعونة على مذهب عالم المدينة (ص: 444)، المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز - مكة المكرمة].
-قال الإمام الزيلعي رحمه الله: "قال [يعني أبا البركات النسفي] -رحمه الله-: (وكُره نقلها إلى بلد آخر لغير قريب وأحوج) أي كره نقل الزكاة إلى بلد آخر، لغير قريب، ولغير كونهم أحوج، فإن نقلها إلى قرابته أو إلى قوم هم إليها أحوج من أهل بلده لا يكره... وإن نقله لغير ذلك يجوز مع الكراهية، ثم المعتبر في الزكاة مكان المال، حتى لو كان هو في بلد وماله في بلد أخرى يفرّق في موضع المال، وفي صدقة الفطر يعتبر مكانه لا مكان أولاده الصغار وعبيده في الصحيح، والفرق: أن الزكاة محلها المال؛ ولهذا تسقط بهلاكه، وصدقة الفطر في الذمة؛ ولهذا لا تسقط بهلاكهم". [تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (1/ 305)].
القول الثاني: لا يجوز نقلها، فإذا نقلها أجزأته. وإليه ذهب السادة المالكية والسادة الحنابلة في المذهب، والسادة الشافعية في قول مقابل الأصح.
واستدلوا على الإجزاء: بما استدل به أصحاب القول الأول. [يُنظر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (4/ 191)].
واستدلوا على عدم الجواز:
بقول النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ»َ. [مُتَّفقٌ عليه: صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة (2/ 104) ح: 1395- وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (1/ 50) ح: 19].
وجه الدلالة: قوله: «تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ». والضمير راجع إلى أهل اليمن؛ إذ هم المبعوث إليهم، أي صدقة تؤخذ من أغنياء مسلمي اليمن، فترد في فقراء مسلمي اليمن. [يُنظر: شرح الزركشي على مختصر الخرقي (2/ 452) - وشرح النووي على مسلم (1/ 197، 198)].
ومن الأثر: بقول ابْنِ طَاوُسٍ، أَنَّهُ وَجَدَ فِي كِتَابٍ عِنْدَ أَبِيهِ: «أَنَّ مُعَاذًا قَضَى أَنَّ مَنْ يَحُولُ مِنْ مِخْلَافٍ إِلَى مِخْلَافٍ، فَإِنَّ عُشْرَهُ وَصَدَقَتَهُ إِلَى مِخْلَافِهِ». [الأموال لابن زنجويه، باب: في الأمر من تفريق الصدقات في كل قوم في أهل ناحيتهم (3/ 1193) ح: 2244، لكن طاووس عن معاذ منقطع. يُنظر: البدر المنير (7/ 401). ويُنظر: المبدع في شرح المقنع (2/ 396)]. والمخلاف: ما يكون فيه الوالي والقاضي وهو الذي يستخلف فيه ولي الأمر جابيًا بأخذ الزكاة من أغنيائهم فيردها على فقرائهم. [يُنظر: الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص: 453)].
-قال القاضي عبد الوهاب المالكي رحمه الله: "إذا وجد المستحقون للزكاة في البلد الذي فيه المال والمالك لم يجز نقلها إلى غيره، إلا أنه إذا نقلها ودفعها إلى فقراء غير بلده مضى ذلك وأجزاه، وكذلك لو بلغ الإمام أن ببعض البلدان حاجة شديدة وقحطًا عظيمًا جاز له نقل شيء من الصدقة والمستحقة لغيره إليه، خلافًا للشافعي". [المعونة على مذهب عالم المدينة (ص: 444)].
-وقال الإمام الزركشي رحمه الله: المذهب أنه لا يجوز نقل الزكاة من بلدها إلى بلد تقصر في مثله الصلاة، مع القدرة على دفعها في بلدها، هذا المعروف في النقل، وظاهر كلام أحمد، والخرقي، وإن كان القاضي في روايتيه، وجامعه الصغير، وتعليقه الكبير، ترجم المسألة بلفظ الكراهة". [شرح الزركشي على مختصر الخرقي (2/ 451)، دار العبيكان، ط: الأولى].
- وقال الخطيب الشربيني رحمه الله: "(والأظهر منع نقل الزكاة)... والثاني: الجواز لإطلاق الآية، وليس في الحديث دلالة على عدم النقل، وإنما يدل على أنها لا تعطى لكافر كما مر، وقياسا على نقل الوصية والكفارات والنذر... تنبيه كلامه يفهم أن القولين في التحريم، لكن الأصح أنهما في الإجزاء، وأما التحريم فلا خلاف فيه". [مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (4/ 191)].
وزاد السادة المالكية جواز نقل بعض الزكاة للأعدم والأشد فقرًا.
قال: "إلا لأعدم؛ يعني أن الزكاة تجب تفرقتها بموضع الوجوب أو قربه، ولا تفرق في غير ذلك إلا لأجل شخص أعدم؛ أي أفقر ممن هو بموضع الوجوب أو قربه كائنا على مسافة أربعة برد فأكثر، فإنه ينقل أكثرها أي الزكاة، له أي لذلك الأعدم، ويقدم الأقرب فالأقرب كما في الأجهوري وغيره. وقال الشيخ عبد الباقي والشيخ الخرشي: ينقل للأعدم أكثرها وجوبا على ظاهر المدونة. انتهى. وقال الشيخ المحقق الأمير: والأعدم له أكثرها قال عبد الباقي: وجوبا، ويرد عليه أنه سبق أن إيثار المضطر مندوب فقط، وأفهم الأكثر وجوب البعض في الموضع، فإن نقل الكل صح. انتهى. وقال غير واحد من شراح المصنف: وفهم من قوله: "فأكثرها له"، أنه لابد من تفرقة الأقل بموضع الوجوب، وإذا نقل للأعدم الكل فإنها تجزئ، وأما إذا فرق الكل بموضع الوجوب مع وجوب النقل للأعدم فالظاهر الإجزاء، ومفهوم قوله: "إلا لأعدم"، نقلها لدون أو مثل، فلا يجوز ولا تجزئ في الأول بخلاف الثاني. كما يأتي". [لوامع الدرر في هتك استار المختصر (3/ 572، 573)، دار الرضوان، نواكشوط- موريتانيا، ط: الأولى].
القول الثالث: لا يجوز ولا يجزئ عند السادة الشافعية في الأظهر والأصح، والسادة الحنابلة في رواية.
واستدلوا على ذلك من السنة: بما استدل به أصحاب القول الثاني. [يُنظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي (3/ 432)، دار المنهاج- جدة، ط: الأولى - ومغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (4/ 191)، دار الكتب العلمية، ط: الأولى].
وبما رُوي عَنِ سيدنا ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَبَرِئَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ، وَأَيُّمَا أَهْلُ عَرْصَةٍ (والعَرْصَةُ: كلُّ موضع واسع لا بناءَ فيه) أَصْبَحَ فِيهِمُ امْرُؤٌ جَائِعٌ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ تَعَالَى». [مسند أحمد (8/ 481) ح: 4880 - والمستدرك على الصحيحين للحاكم (2/ 14) ح: 2165 وسكت عنه الحاكم، لكن قال الذهبي: عمرو بن الحصين العقيلي تركوه، وأصبع بن زيد الجهني فيه لين . وقال أبو حاتم: هَذَا حديثٌ مُنكَرٌ، وَأَبُو بِشْر لا أعرفُهُ. علل الحديث لابن أبي حاتم (3/ 663- 665) مسألة: 1174. ويُنظر: الفروع وتصحيح الفروع (4/ 264)].
ومن المعقول: بأن أصناف كل بلدة تمتد أطماعهم إلى زكاة ما في بلدهم من المال، والنقلُ يوحشهم. [يُنظر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (4/ 191)].
-وبأن فقراء كل مكان لا يعلم بهم غالبًا إلا أهله. وكذلك تجب نفقة الفقير على من علم بحاله. [يُنظر: الفروع وتصحيح الفروع (4/ 264)].
قال الإمام النووي رحمه الله: "والأظهر منع نقل الزكاة، ولو عدم الأصناف في البلد وجب النقل أو بعضهم وجوزنا النقل وجب، وإلا فيرد على الباقين وقيل: ينقل". [منهاج الطالبين وعمدة المفتين في الفقه (ص: 203)، دار الفكر، ط: الأولى].
وقال في المجموع: "فحاصل المذهب أنه ينبغي أن يفرق الزكاة في بلد المال، فلو نقلها إلى بلد آخر مع وجود المستحقين فللشافعي رضي الله عنه في المسألة قولان، وللأصحاب فيها ثلاث طرق: (أصحها) عندهم أن القولين في الإجزاء وعدمه، (أصحهما): لا يجزئه، (والثاني): يجزئه، ولا خلاف في تحريم النقل، ... فحصل من مجموع الخلاف أربعة أقوال: (أصحها) لا يجزئ النقل مطلقا ولا يجوز (والثاني): يجزئ ويجوز (والثالث): يجزئ ولا يجوز (والرابع): يجزئ ويجوز لدون مسافة القصر، ولا يجزئ ولا يجوز إليها". [المجموع شرح المهذب (6/ 222)].
وبناءً على ما سبق: فالأصل عند الفقهاء إخراج الزكاة في بلد مال المُزكّي، وعدم نقلها لبلد آخر: فإذا نقلها لمن هو أشد فقرًا وحاجةً، أو لقرابة له، فالأمر فيه سَعَة، وإن كان الأحوط عدم نقلها؛ خروجًا من الخلاف.
والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم
هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.