ثانيًا: القرآن الكريم

ما حكم حمل المصحف في شنطة السفر وأنا غير متوضيء؟

مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف

ما حكم حمل المصحف في شنطة السفر وأنا غير متوضيء؟

يجوز حمل المصحف -دون مسّه- في جملة متاعٍ محمول: كشنطة السفر مثلًا، وذلك عند قول جمهور الفقهاء؛ لأن النهي عن مسّ القرآن لا حمله، مع التنبيه على حرمة مسّ المُحدِث للمصحف عند الأئمة الأربعة.

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد...

فجمهور الفقهاء على منع المُحدِث من مسّ المصحف الشريف وحمله دون حائل، وقد سبق تفصيل ذلك في الفتوىَيْن رقم: (2333) ، والفتوى رقم: (1870).

أما حمل المصحف في جملة متاعٍ محمول: كحملِهِ في شنطة السفر مثلًا، وذلك دون مسّه: فقد اختلف فيه الفقهاء على قولين:

القول الأول: الجواز، وهو قول جمهور الفقهاء من الأئمة الأربعة، وذلك على الصحيح عند السادة الشافعية والسادة الحنابلة. [ويُنظر: مختصر اختلاف العلماء (1/ 156)، دار البشائر الإسلامية – بيروت، ط: الثانية].

وشرَطَ السادةُ المالكية والسادةُ الشافعية ألا يقصد حمل المصحف.

واستدلوا على ذلك:

بما ثبت عن سيِّدنا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّأْمِ فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ.... الخبر مطوّلًا، وفيه: "ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ، فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ: سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلاَمِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ " وَ {يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لاَ نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]....". [صحيح البخاري (1/ 8) كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ح: 7 - وصحيح مسلم، ك: الجهاد والسير، ب: كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام (3/ 1393) ح: 1773].

وجه الدلالة: أن الكتاب الذي أمر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابته إلى هرقل -وهو وحاشيته كانوا غير مسلمين- كان فيه آياتٌ من القرآن، ومعلومٌ أنهم سيمسّونه وهم على أحداثهم وجنابتهم، لكنه عُفي عن ذلك؛ لأنه لم يقصد الكتابَ للقرآن، فكذلك أيضًا حملُ المصحف في جملة الأمتعة؛ عُفي عما فيها من القرآن؛ لأن المقصود حمل المتاع، لا المصحف. والله أعلم. [يُنظر: بحر المذهب للروياني (1/ 114)، دار الكتب العلمية، ط: الأولى - والبيان في مذهب الإمام الشافعي (1/ 202)، دار المنهاج – جدة، ط: الأولى].

واستدلوا من المعقول: بأنه إذا لم يكن مقصودًا بالحمل فيجوز؛ لعدم الإخلال بتعظيمه حينئذ. [يُنظر: الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (1/ 100، 101)، دار الفكر].

- وعلّل السادة الحنابلة: بأن النهي ورد عن المسّ، والحمل ليس بمسّ. [يُنظر: كشاف القناع عن متن الإقناع (1/ 135)، دار الكتب العلمية].

وهذا أيضًا هو مقتضى مذهب السادة الحنفية، الذين يرون جواز حمل المصحف بعلاقة أو غلاف منفصل؛ فحملُه في متاعٍ جائز كذلك.

وأدلة جواز الحمل بعلاقة مذكورة في الفتوى رقم: 7463 .

  • يقول الإمام القدوري رحمه الله: "قال أصحابنا: يجوز للجنب حمل المصحف بغلافه، خلافًا للشافعي". [التجريد للقدوري (1/ 147)، دار السلام- القاهرة، ط: الثانية] ، ويُنظر:الاختيار لتعليل المختار (1/ 13)، مطبعة الحلبي القاهرة].
  • ويقول الشيخ الدردير رحمه الله: "(و) منع (حملُه وإن بعِلاقة) إن لم يجعل حرزًا، وإلا جاز على أحد القولين، (أو) وإن حمله في (وسادة) مثلّثة الواو، (إلا) أن يحمله (بأمتعة قُصدت) فيجوز، (وإن) حملت (على كافر)؛ لأن المقصود ما فيه المصحف من الأمتعة، أما إن قُصِدَا معا -وأَوْلى إن قُصِدَ المصحف فقط- بالحمل مُنِعَ". [الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (1/ 125) دار الفكر].
  • وقال الخطيب الشربيني رحمه الله: "ويحل حمله في متاع تبعًا له، إذا لم يكن مقصودًا بالحمل: بأن قصد حمل غيره، أو لم يقصد شيئا؛ لعدم الإخلال بتعظيمه حينئذ، بخلاف ما إذا كان مقصودًا بالحمل ولو مع الأمتعة: فإنه يحرم، وإن كان ظاهر كلام الشيخين يقتضي الحل في هذه الصورة كما لو قصد الجنب القراءة وغيرها، والثاني: يحرم؛ تغليبًا للحرمة؛ ولأنه ممنوع عند الانفراد؛ فمنع مع التبعية، كحامل النجاسة في الصلاة". [الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع (1/ 100، 101)، دار الفكر].
  • وقال الإمام ابن مفلح رحمه الله: "ويجوز في الأشهر حمل خُرْج فيه متاع فوقه أو تحته". [الفروع وتصحيح الفروع (1/ 243)، مؤسسة الرسالة، ط: الأولى].

وما ذكره الخطيب الشربيني من أنه لو قصد حمل الأمتعة والمصحف معًا يحرم: هو قول الإمام ابن حجر الهيتمي أيضًا. [يُنظر: تحفة المحتاج في شرح المنهاج (1/ 151)، ويُقارن حاشية الشرواني عليه أيضًا، المكتبة التجارية الكبرى بمصر لصاحبها مصطفى محمد].

لكن خالفهما الإمام الرملي في النهاية ووالده في حاشيته على أسنى المطالب.

قال الإمام شهاب الدين الرملي الكبير رحمه الله: "(قوله: ولو مع الأمتعة) تبع فيه مقتضى عبارة سليم، لكن مقتضى عبارة الرافعي في عزيزه والنووي في مجموعه حلّه حينئذ، وهو الأصح".[ حاشية الرملي الكبير على أسنى المطالب في شرح روض الطالب (1/ 61)، دار الكتاب الإسلامي].

وقال الإمام شمس الدين الرملي رحمه الله عن هذا القول: "وهو المعتمد، بخلاف ما إذا قصده فقط". [نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (1/ 125)، دار الفكر، بيروت، ط: أخيرة].

القول الثاني: لا يجوز حمل المصحف، ولو في متاعٍ. وهو وجهٌ عند السادة الشافعية مقابل الأصح. وقول عند السادة الحنابلة خلاف الصحيح عندهم.

وعلّلوا ذلك: بأن حمل متاعٍ فيه مصحف يُعدّ حملًا للقرءان، وهو منهيٌّ عنه. [يُنظر: البيان في مذهب الإمام الشافعي (1/ 202)].

قال الإمام العمراني رحمه الله: "وإن حمل متاعًا وفي جملته مصحف، فهل يجوز؟ فيه وجهان، حكاهما في الإبانة: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه يحمل القرآن". [البيان في مذهب الإمام الشافعي (1/ 202)].

وقال الإمام المرداوي رحمه الله: "ومنها، يجوز حمل خُرْج [وعاء معروف] فيه متاع وفيه مصحف، على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، وسواء كان فوق المتاع أو تحته. وقيل: لا يجوز حمله وهو فيه". [الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/ 75)، دار هجر للطباعة والنشر، القاهرة، ط: الأولى].

والراجح من القولين: هو القول الأول قول جمهور الفقهاء؛ لقوة أدلتهم، مع عدم الالتفات إلى قصده، وهو قول السادة الحنفية والسادة الحنابلة؛ لأن النهي عن مسّ القرآن لا حمله، مع التنبيه أيضا على حرمة مسّ المُحدِث للمصحف عند الأئمة الأربعة.

والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم

هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.