الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، وبعد...
فقد أحلَّ اللهُ سبحانه وتعالى لنا الطَّيِّباتِ، وحرَّم علينا الخبائثَ، ومعلومٌ أن الأصل في المضارّ التحريم.
قال الإمام تقي الدين الحصني رحمه الله: "فالذى استقر عليه أصحابنا وجمهور أهل العلم: أن الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار التحريم؛ بالأدلة الشرعية". [القواعد للحصني، (1/ 478)]، ويُنظر: ["الإبهاج في شرح المنهاج، (3/ 165)"، و"تهذيب الفروق مطبوع بحاشية الفروق للقرافي، (1/ 220)"].
وتدخين السجائر -الَّذِي هو تعاطي نبات التَّبغ بالإحراق وجذب الدُّخَان النَّاتج عن إشعاله بأي وسيلة- يضر الإنسان ويودي بحياته، وقد ثبت ضرره عند أهل الاختصاص بما لا شك فيه.
وهذا هو عمدة أدلة القائلين بتحريمه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». [المستدرك على الصحيحين، ح: (2358)، وقال: وهو حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه].
والأدلة التي ذكرها العلماء في تحريم التدخين كثيرة منها: قول الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29].
ووجه الدلالة: أن تكرار الدخان يسوّد ما يتعلق به، وتتولّد منه الحرارة؛ فتكون داءً مُزمنًا مهلِكًا؛ فتشمله هذه الآية. يُنظر: [فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، (1/ 118)].
وما ثبت عَنِ سيدنا النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنهما، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: - وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ - «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ... [متفق عليه: صحيح البخاري، ح: (52) - صحيح مسلم، ح: (1599) واللفظ لمسلم].
ووجه الدلالة: أن هذا الدخان مما اشتبه حكمه، ولم ينكشف أمره: فمن تركه ولم يستعمله يكون دينه سالماً من الفساد أو النقصان، ناجياً من العيب واللوم بين الأنام، ومن لم يتركه بل استعمله يقع في الحرام. يُنظر: [ترويج الجنان بحكم شرب الدخان، ص: (20)].
ولقد علّق كثيرٌ من الفقهاء القدامي القائلين بعدم حرمة تعاطى الدخان ثبوتَ الحرمة على ثبوت الضرر: فإذا ثبت الضرر جاز القول بالتحريم.
قال الشيخ نور الدين عليّ الأجهوري وهو من القائلين بإباحة شرب الدخان رحمه الله: "ومَن ضرَّه [يعني شرب الدخان] بإخبار عارفٍ يوثق به أو بتجربة في نفسه حرُم عليه". [غاية البيان لحل شرب ما لا يغيب العقل من الدخان، ص: (342)]، وينظر: ["العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية، (2/ 332)"، و"ترويج الجنان بحكم شرب الدخان، ص: (19- 20)].
وبالرجوع إلى أهل الاختصاص في إثبات الضرر من عدمه: تبيّن بما لا يدع مجالًا للشك الضررُ البالغ الذي يسببه التدخين بجميع صوره، بل جملةٌ من الأضرار والأمراض التي تصيب القلب، والرئة، ومعظم أعضاء البدن.
وتؤكد ذلك مراجع طبية عالمية موثوقة كـ منظمة الصحة العالمية، ومنظمة مايو كلينك Mayo Clinic.
حيث جاء على موقع منظمة الصحة العالمية: "يعد وباء التبغ أحد أكبر التهديدات الصحية العامة التي واجهها العالم على الإطلاق، وهو مسؤول عن وفاة أكثر من 7 ملايين شخص سنوياً، إلى جانب حالات الإعاقة والمعاناة الطويلة الأجل التي تسببها الأمراض الناجمة عن التبغ، وجميع أشكال تعاطي التبغ ضارة، ولا يوجد مستوى آمن للتعرض للتبغ. ويعد تدخين السجائر الشكل الأكثر شيوعاً لتعاطي التبغ في جميع أنحاء العالم. وتشمل منتجات التبغ الأخرى تبغ النرجيلة، والسيجار، والسيجار الصغير الفاخر، والتبغ المسخَّن، ولفائف التبغ الخاصة، وتبغ الغليون، وسجائر البيدي والكريتكس (القرنفل)، ومنتجات التبغ عديم الدخان".
[يُنظر: https://www.who.int/ar/news-room/fact-sheets/detail/tobacco، ويُنظر: https://www.mayoclinichealthsystem.org/hometown-health/speaking-of-health/a-smokers-guide-to-quitting].
وبناءً على ما سبق: يمكننا القول بأنه قد استقر الحكم في التدخين على الحُرمة؛ لثبوت ضرره.
جاء في الفواكه العديدة في المسائل المفيدة: "وأما اختلاف المفتين بالحلّ والتحريم، وجُمِعَ بإطلاق الحلّ على ما ثبت عند قائله من نحوهما، غير مُسكرَيْن ولا مضرَّيْن، وإلا فلو ثبت عنده إسكارهما أو أضرارهما؛ لقال بالحرمة جزمًا، وحمل إطلاق التحريم على ما ثبت عند قائله من كونهما مُسكرَيْن أو مضرَّيْن ، وإلا فلو ثبت عنده عدم ذلك؛ لقال بالحلّ جزمًا". [الفواكه العديدة في المسائل المفيدة، للشيخ أحمد بن محمد المنقور، (2/ 85)].
فعلى كلِّ مَن ابتُلِيَ بالتَّدخين أن يُقلع عنه حفاظًا على نفسه وأولاده؛ ويَقِي نفسه وأولادَه والمجتمعَ الضرر.
والله سبحانه وتعالى أعلى وأعلم.