هل صلاة التراويح في البيت أفضل أو المسجد؟
الْـحَـمْدُ لِلهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ، وَصَحْبِهِ، وَمَنْ وَالَاهُ، وَبَعْدُ...
فقد رغّب النبي صلى الله عليه وسلم في قيام رمضان، وهي صلاة التراويح، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [متفق عليه، صحيح البخاري،ك: صلاة التراويح، ب: فضل من قام رمضان، (3 /44) ح: (2009) ـ وصحيح مسلم، ك: صلاة المسافرين وقصرها، ب: الترغيب في قيام رمضان، وهو التراويح، (1 /523)، ح: (759)].
وقد اختلف الفقهاء في أفضلية صلاة التراويح في المسجد أو البيت على قولين:
القول الأول: التراويح في المسجد أفضل. وإليه ذهب جمهور الفقهاء من السادة الحنفية، والسادة الشافعية، والسادة الحنابلة، في الصحيح عندهم جميعًا.
واستدلوا على ذلك:
بما ثبت عَنْ أم المؤمنين السيدة عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلاَتِهِ، فَأَصْبَحُوا فَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ، فَقَامَ اللَّيْلَةَ الثَّانِيَةَ، فَقَامَ مَعَهُ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلاَتِهِ، صَنَعُوا ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ - أَوْ ثَلاَثًا - حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ، جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَخْرُجْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ فَقَالَ: «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلاَةُ اللَّيْلِ» [صحيح البخاري، ك: الأذان، ب: إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة (1/ 146) ح: 729].
وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الناس عليها ثلاث ليال متوالية؛ فدلّ على أفضلية الجماعة لها، وإنما لم يداوم جمعهم عليها؛ خشية أن تفرض عليهم، وقد أمِن من ذلك بانتقاله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى. [يُنظر: معونة أولى النهى شرح المنتهى (2/ 274)، مكتبة الأسدى، ط: الخامسة].
وبما ثبت: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى المَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلاَتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: «إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاَءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ، لَكَانَ أَمْثَلَ» ثُمَّ عَزَمَ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلاَةِ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرُ: «نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ» يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ" [صحيح البخاري، أول كتاب صلاة التراويح (3/ 45) ح: 2010].
ـ قال الإمام ابن عابدين رحمه الله: "(قوله والجماعة فيها سنة على الكفاية إلخ) أفاد أن أصل التراويح سنة عين، فلو تركها واحد كُرِه، بخلاف صلاتها بالجماعة فإنها سنة كفاية، فلو تركها الكل أساءوا؛ أما لو تخلّف عنها رجلٌ من أفراد الناس وصلى في بيته فقد ترك الفضيلة، وإن صلى أحد في البيت بالجماعة لم ينالوا فضل جماعة المسجد وهكذا في المكتوبات كما في المنية... والصحيح قول الجمهور إنها سنة كفاية، وتمامه في البحر...". [حاشية ابن عابدين رد المحتار على الدر المختار (2/ 45)].
ـ وقال الإمام النووي رحمه الله: "فصلاة التراويح سنة بإجماع العلماء، ومذهبنا أنها عشرون ركعة بعشر تسليمات، وتجوز منفردا وجماعة، وأيهما أفضل، فيه وجهان مشهوران، كما ذكر المصنف، وحكاهما جماعة قولين: (الصحيح) باتفاق الأصحاب أن الجماعة أفضل وهو المنصوص في البويطي وبه قال أكثر أصحابنا المتقدمين، (والثاني) الانفراد أفضل". [المجموع شرح المهذب (4/ 31)، دا الفكر].
ـ وقال الإمام ابن النجار الحنبلي رحمه الله: "(و) التراويح (بمسجد) أفضل من فعلها بالبيت على أصح الروايتين". [معونة أولى النهى شرح المنتهى (2/ 274)].
القول الثاني: صلاة التراويح في البيت أفضل إذا عرَف من نفسه أنه سيصليها ولا يكسل عنها. وهو قول السادة المالكية، وقول عند السادة الحنفية، ووجه عند السادة الشافعية، ورواية عند السادة الحنابلة مقابل الصحيح في المذاهب الثلاثة.
واستدلوا على ذلك:
بما ثبت عَنْ سيدنا زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّخَذَ حُجْرَةً - قَالَ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ مِنْ حَصِيرٍ - فِي رَمَضَانَ، فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ، فَصَلَّى بِصَلاَتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلاَةِ صَلاَةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا المَكْتُوبَةَ». [متفق عليه: صحيح البخاري، ك: الأذان، ب: صلاة الليل (1/ 147) ح: 731 ـ صحيح مسلم، ك: صلاة المسافرين وقصرها، ب: استحباب صلاة النافلة في بيته، وجوازها في المسجد (1/ 539) ح:781]. [ويُنظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف (1/ 291)، دار ابن حزم، ط: الأولى ـ والتهذيب في فقه الإمام الشافعي (2/ 233)، دار الكتب العلمية، ط: الأولى].
ومن المعقول: بأنه أسلَمُ وأبعدُ من الرياء. [يُنظر: شرح مختصر خليل للخرشي (2/ 7)، دار الفكر للطباعة - بيروت].
ـ قال الشيخ الخرشي رحمه الله: "والجماعة فيها مستحبة لاستمرار العمل على الجمع مِن زمن عمر، والانفراد فيها -طلبا للسلامة من الرياء- أفضل، والمراد بالانفراد فيها فعلها في البيوت، ولو جماعة، هذا إن لم تعطّل المساجد، فإن خيف من الانفراد في التراويح التعطيل، فالمساجد أفضل، ولا يلزم من مخالفة الأفضل الكراهة". [شرح مختصر خليل للخرشي (2/ 7)].
ـ وقال الإمام ابن عابدين رحمه الله: "وقيل: تستحب في البيت، إلا لفقيه عظيم يُقتدى به، فيكون في حضوره ترغيب غيره. والصحيح قول الجمهور إنها سنة كفاية، وتمامه في البحر...". [حاشية ابن عابدين رد المحتار على الدر المختار (2/ 45)].
ـ وقال الإمام البغوي الشافعي رحمه الله: "ومن السُّنن الرواتب: صلاة التراويح في شهر رمضان عشرون ركعة بعشر تسليمات، والأفضل أن يصليها جماعة أو منفردًا، نظر: إن كان الرَّجُلُ لا يحسن القرآن، أو تختل الجماعة بتخلّفه، أو يخاف النوم والكسل ففعلها جماعة أفضل، وإن لم يكن شيء من ذلك ففيه وجهان: أحدهما: الجماعة أفضل؛ لأن عمر بن الخطاب جمعهم على أبي بن كعب. والثاني: منفرداً أفضل". [التهذيب في فقه الإمام الشافعي (2/ 233)].
ـ وقال الإمام المرداوي رحمه الله: "قوله في التراويح: وهل فعلها في مسجد أفضل كما جزم به في المستوعب وغيره أو ببيت؟ فيه روايتان، ذكرهما شيخنا انتهى. الصحيح من المذهب أن فعلها في المسجد أفضل، كما جزم به في المستوعب وغيره، وعليه العمل في كل عصر ومصر". [تصحيح الفروع مطبوع مع الفروع لابن مفلح (2/ 373)].
والراجح من القولَين: هو قول جمهور الفقهاء القائل بأفضلية استحباب صلاة التراويح في المسجد؛ لأنّ هذا ما جمع عليه الفاروق عمرُ رضي الله عنه الصحابةَ، وقد أقروه على ذلك، فإن كانت صلاتُه في البيت أشد إخلاصًا وأكثر خشوعًا، ولا تُعطّل المساجد بصلاته في بيته- فيقوى حينئذ القول بأفضلية صلاته في بيته.
قال الإمام الحصكفي رحمه الله: "والأفضل في النفل غير التراويح المنزل، إلا لخوف شغل عنها، والأصح أفضلية ما كان أخشع وأخلص". [الدر المختار شرح تنوير الأبصار وجامع البحار (ص: 92)].
والله تعالى أعلى وأعلم
هذه الفتوى صادرة عن مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية بالأزهر الشريف، ولا تُعبّر بالضرورة عن رأي شخص بعينه.